New Page 1
news

آفاق

New Page 1


عبد الفتاح صبري


تحولات الخطاب فـي القصة النسوية الإماراتية  

مدخل عام:

عند إمعان النظر في التجربة القصصية الإماراتية سنلحظ غلبة العنصر النسائي خاصة في مشهديتها الراهنة وهو امتداد لحضور البدايات الآسر ولكتابات نسوية بدأت ناضجة وأسسّت إلى وعي نسائي لافت ومهم في مسيرة القصة الإماراتية.

والخطاب الاجتماعي في الإمارات سيظل رهاناً قاسياً على تطور الأدب «القصة خصوصاً» والتي تحظى باهتمام المرأة لأنه على ما يبدو أن الكتابة متنفس حقيقي أو واعٍ للخروج من التابو المجتمعي الضارب بقسوة حول المرأة. ولذلك ولنفس الأسباب سنرى المشهد القصصي وكأنه مشهد سري يتعذر التعرف إليه والإحاطة به لأن هناك كاتبات مازلن يلجن عالم الكتابة باسمهن المستعار وأن هناك جدد يسلكن نفس الدرب وأخريات لا يعلنّ عن أنفسهن.

ويمكننا عند النظر في هذا النتاج النسائي أن نلمح تطور الخطاب الأنثوي .. حيث يمكننا المقاربة بين جيلين .. وقد يرى البعض أن ذلك غير مسوغ منهجياً نظراً لقصر المدة الزمنية لعهد القصة، علماً بأنها قد تصل بإصداراتها إلى حوالي أربعة عقود .. ولكن المبرر الأقوى لهذا التقسيم هو هذا التبدل في الخطاب الأنثوي الذي طرأ على القصة النسائية لدى مبدعات جدد. ويمكننا من هذه النظرة أن نقسم الإنتاج القصصي النسوي إلى مرحلتين لسهولة القياس:

الأولى: مرحلة جيل الرائدات وما تلاهن من أمثال:

- مريم جمعة فرج

- شيخة الناخي

- سلمى مطر سيف

- ليلى أحمد

- أمينة بوشهاب

- سعاد العريمي

- باسمة يونس

- سارة الجروان

- أسماء الزرعوني

- سارة النواف

- فاطمة محمد

.... إلخ.

وجيل جديد يتبلور منهجه بأناة ووضوح نحو خطاب آخر مغاير، ويبدو في أفق هذه الموجة:

- فاطمة المزروعي

- ريا مهنا

- عائشة عبد الله

- فاطمة الكعبي

- أسماء الكتبي

- ليلى سالم الصم

.. وأخريات.

الخطاب الأنثوي في القصة النسائية خاصة لتلك القضايا المتصلة بالرجل وبالقيم والعادات سنراه يمر عبر مرحلتين:

الأولى: الخطاب الأنثوي التقليدي وانتهجته الرائدات، والذي تبنى البحث في قضايا المرأة وفقاً لما تسمح به العادات والتقاليد، وبالتالي لم يكن هذا الخطاب قانعاً ولا خارجاً عن سلطة الذكورة، هو فقط احتج بهدوء وحاول فضح الحالة الذكورية من خلال التمترس خلف بعض إشكاليات المرأة في سياق المجتمع مثل قضايا الزواج والطلاق والعنوسة .... إلخ

الثانية: الخطاب الأنثوي الجديد والذي أسسته قصة شابات جدد وتبنى البحث في قضايا مغايرة متصلة بالجسد والذات والآخر وتجلت فيه المطالبة الأنثوية برفض قيم الذكورة الفوقية وتدني المرأة بل تعدى ذلك إلى مواجهة الرجل ومحاولة تنكيره وتهميشه في ردٍّ على ذلك الخطاب الذكوري الذي ساد كثيراً.

إذاً من استقراء التجربة القصصية الجديدة سنلمح أن الأنثى بدأت في رسم صورة جديدة لعلاقتها بالرجل .. من خلال تحولات الخطاب النسوي والذي وصل إلى مرحلة بداية جديدة فيها من الجرأة في الطرح لمشكلاتها الأنثوية. واللافت أن المجتمع الإماراتي لم يشهد نضالاً للمرأة في سبيل الحصول على حقوقها المجتمعية أو المعنوية، بل إن السلطة هي التي أعطتها حق التعلم وحق التوظف وحرية الإبداع والكتابة ولكن هناك ضوابط مجتمعية تقف بوجه تمتع المرأة بهذه الحقوق وهي قوية رغم بروز ملامح الحداثة في كل مناحي الحياة في الإمارات. وقبل تأسيس الدولة والتحديث كانت المرأة تمتع بحرية كبيرة ضمن إطار مجتمع متسامح. وكانت هي المؤسسة الأقوى في تسيير حياة المجتمع والأسرة حين يغيب الرجال في المغاصات بالشهور الطويلة وهي القائمة بالشأن الاقتصادي والمعيشي وتسيير أيام الأسرة لحين عودة الرجل الغائب. وما إن تحدثت الدولة وظهرت آليات جديدة برزت إشكالية حجب المرأة والعودة بها إلى غياهب اللاوعي المجتمعي رغم التعلم والتوظف، هذه الازدواجية في روح الثقافة السائدة ما زالت عصية على الوعي والفهم، وما زالت مهيمنة بخطاب التهميش للمرأة والتأطير لنظرة دونية .. وبالتالي حدث تراكم في الاحتقان الاجتماعي لدى المرأة المقموعة أو المهمشة.

ومن هنا أصبحت الكتابة وعياً بقضية المرأة، وأصبحت القصة عالماً للبحث في اطر الانعتاق وساحة للرفض ومنفذاً للولوج إلى العوالم المسكوت عنها وإلى المساحات التي تحتاج إلى فض إشكالياتها.

ولذك سنرى تحولات الخطاب الأنثوي بشدة نحو عوالم جديدة، فتمكنت فاطمة الكعبي، وعائشة عبد الله، وفاطمة المزروعي، وريا مهنا من تأطير خطاب جديد يؤكد على المساواة وعلى وضع الرجل في المحك القصصي والتمركز حوله وانطلق ذلك الخطاب لتهميشه وتنكيره والاستهانة به وتحديه وإزعاج رجولته.

ملامح القصة الجديدة:

عند إمعان النظر في القصة الإماراتية المؤسسة والتي بدأت منذ سبعينيات القرن الفائت سنجد أنها تفاعلت مع قضايا المجتمع وأرّقها تالياً تلك التبدلات التي أصابت القيم وتراتبية وأولوية مفردات الحياة الاجتماعية والاقتصادية نظراً للآثار المصاحبة لعهد النفط وتأسيس الدولة.. وإذا كانت القصة قد عكست الاهتمام بهذه القضايا فإنها فنياً توفرت على استيعاب التقنيات المناسبة لإفراغ الحنين والبكاء على قيم كانت وعصر ينفلت وهذا التباكي جعلها تتمسك بالنخلة والبحر والصحراء كرموز لهذا الذي يحاول الانزواء.. ولكن هذا التباكي لم يجعلها تتجاوز - أي القصة - رفض الجديد والتمرد عليه - ومن هنا كانت فنياتها تتمحور حول التقليدية الفنية في التناول في الزمن (كظاهرة لم يفلت منها إلا القليل) يأتي تصاعدياً ويبدأ منذ لحظة البداية لينمو رأسياً بنمو الحدث الذي يأخذ بدايته إلى العقدة ثم لحظة التفجر أو التنوير.

كما أن المكان جاء برمته واضحاً متعلقاً بالشخصية أينما سارت.

وعند النظر ملياً في القصة الجديدة في الإمارات سنرى أنها تتمحور حول الصور التالية:

1- التقاط اللحظة الإنسانية ورصد تفاصيلها والبحث في مكنونها من أجل تكوين حالة جادة واعية عن الحياة، ولذلك انفسحت القصة المهتمة بتلك الصورة إلى تفاصيل وملامح الجسد وارتباطه بوعي الإنسان وعلاقته بمفردات البيئة والمكان مع التركيز المطلق على الذات كمركزية جديدة تنطلق منها الرؤى والبحث في المستجدات المجتمعية وأثرها ومدى التفاعل مع القضايا الإنسانية الخاصة رداً على إهمال القضايا الكبرى التي أهملت أساساً في الخطاب المجتمعي الجديد الذي هيمن عليه فكر الاستهلاك وأقانيم الترويج لرأس المال ومكتسباته.

2- الاهتمام بالتأمل العميق لكل العناصر المولدة لتلك التبدلات الحياتية فبدا أن هناك قصة تهتم بالتجارب الذاتية ومحاولة تعميمها كبديل للقصة المجتمعية أو الاجتماعية التي اهتمت بكل ما يؤرق الجماعة، والمجتمع، وباتت القصة الجديدة تنطلق من الذات وإلى الذات أو من الذات إلى المجتمع باعتبار أن الفرد أصبح مركزاً بنفسه وأصبح عالماً جديداً يجب الاهتمام به ليس ضمن الإطار المجتمعي، ولكن ضمن الإطار الفردي ومحاولة تعميم القضية الفردية لتكون هي أساس البحث في هموم المجتمع. هذا الانكفاء ولدته حالات الاستلاب والنزوع نحو الفردية.

القصة النسائية الـمُؤَسِّسة التي انشغلت بالقضايا العامة للمرأة ضمن السياق الاجتماعي العام، إضافة إلى القضية الكبرى في رفض قيم التحول الجديدة لم تنحز إلى القضايا الخاصة جداً بالمرأة، والمرتبطة مباشرة بمعاناتها كونها أنثى لها مشكل ذاتي أو حتى مع الرجل ضمن هذا الإطار فجاء الخطاب الأنثوي القصصي في المرحلة الأولى، «التأسيس» وما تلاها، خلواً من تلك القضايا ربما لأن الخطاب العام السائد آنذاك كان مُجمعاً نحو قضايا البناء والتحولات الكبرى في المجتمع فابتعدت الرؤيا القصصية عن الذات وتركز الخطاب على الأزمة الإنسانية سواء التي تخص المرأة كقضايا الزواج والطلاق أم تلك التي تخص المجتمع ككل.

وبالتالي لم تنهمّ القصة النسوية الإماراتية عند الـمُؤسِّسات وما تلاهن (مثال: شيخة الناخي، ظبية خميس، مريم جمعة، سلمى مطر سيف، سعاد العريمي إضافة إلى فاطمة محمد، أسماء الزرعوني وأخريات.. الخ) بتلك الخصوصية.

ولكنهن لم يستطعن أيضاً أن يؤسسن خطاباً نسوياً قصصياً ذا خصوصية وإن كنّ تمكنّ من محاكاة قص الرجل والتفوق عليه تقنياً بدا ذلك في تجربة كل من: سلمى مطر سيف، ومريم جمعة فرج، وقد يكون مرد ذلك عائداً إلى أن الانشغالات الأولى للقصة ضمن صراع التحول، ولم تنتبه إلا لمعالجة القضايا الكبرى دون الانشغال بالشكل أو كيفية المعالجات على الصعد الفنية، ولكن القصة النسوية المؤسسة نجحت في الحفر في الذاكرة الثقافية وضفرت ثيمات من التراث وظفت بذكاء بحثاً عن هوية ما جديدة للمرأة آنذاك، وجعلت من هذه الأحفورات في الذاكرة الشعبية دليلاً منصفاً على الإجحاف التاريخي بوضعية المرأة المتدنية في الخطاب الذكوري السائد. ولكنها لم تصل إلى حد التمرد على الوضع العام.. هو التوصيف الذي توقف على الرصد وإشعال المفارقة لدى المتلقي لينتبه للحالة الراسخة في وضعية المرأة.

في حين أن الخطاب الأنثوي الجديد تعدى ذلك إلى التمرد ومحاولة صياغة جديدة في معادلة الأنثى/الذكر (فاطمة الكعبي، عائشة الزعابي، ريا مهنا، فاطمة المزروعي، عائشة عبدالله)، لقد جاءت النصوص المؤسسة تحديداً لدى مريم جمعة، وسلمى مطر سيف واضحة جلية تفصيلية غير ملتبسة، ولكنها عموماً نصوص مكتنزة بقدرتها الفنية وامتلاكها أدوات القص عبر التقنيات والتراتبية بداية وعقدة ونهاية. وسنلحظ تلك النهايات المغلقة في قصص مجموعات «الرحيل» لشيخة الناخي، «هاجر» و«عشبة» لسلمى مطر سيف، و«فيروز» و«ماء» لمريم جمعة فرج.

بينما في القصة النسوية الجديدة سنرى عكس ذلك، إذ سنلحظ كسر التراتبية في البناء الفني وانفتاح نهايات النصوص كمعادل لفضفضة جديدة متعلقة إما بالحرية كهدف مبطن في الخطاب الجديد أو استكمالاً لكسر الشكل كمنهج فني ضد التراتب الذكوري المهيمن حتى على النص كشكل إبداعي، وبالتالي سنجد تطوراً عن القصة المؤسسة من سماته الإيجاز والتكثيف وعدم الوضوح أحياناً مع تغير في طرائق السرد ليتراوح بين السارد الخارجي والأنا.. واستخدام تيار الوعي والاهتمام باللغة كفتح فني يضيف إلى احتمالات التلقي، مع التركيز مضمونياً على قضايا جديدة مثل: قضية الجسد إما باعتباره مشكلة مستقلة أو النظر إليه كمعادل للحرية واكتساب هوية جديدة كانت مفتقدة لدى الأنثى التي حدثت لها تحولات أخرى ضمن تحولات المجتمع ذاته.. حيث القيم ما زالت رجراجة منذ انطلاق بداية التحول في سبعينيات القرن الفائت.

إن النص القصصي النسائي الجديد حاول أن يتخطى القواعد الكلاسيكية في البناء لسببين أولاها: هو المناخ العام الاقتصادي والاجتماعي الذي همش الفرد والإنسان بشكل عام، كما أنه أثرى التوجه إلى بنية الخلاص الفردي في المحكات الاجتماعية مع بروز النزعات الحداثية في مجمل مناحي الحياة بما فيها الآداب والفنون مما شجع على كسر بنية النص التقليدية لجهة الموضوع والفن، ولكن الملاحظ أن القصة النسوية الجديدة هي التي تفوقت في السبق نحو هذه النزوعات عن قصة الرجل بشكل عام إذ ربما يكون الإلحاح على تقصي قضية الهيمنة الذكورية في الخطاب الأدبي، وكذلك للخروج من تابو القواعد الفنية كمعادل للحرية يمكن تحقيقه بيسر ومرونة أكثر من الخروج الفعلي عن التابو الرابض في الثقافة السائدة، ولذلك جاءت نصوص فاطمة الكعبي في «مواء المرأة»، وعائشة عبدالله، في «ما بعد الطوفان» و«أوراق امرأة»، وعائشة الزعابي في «غشاوة»، وفاطمة المزروعي في «ليلة العيد»، وفي مخطوطات قيد الإصدار مثل: وجوه أخرى للموت- كل الأمور من حولي تبعث على الموت- شظايا- قرية قديمة في جبل، وريا مهنا في «الرحلة رقم 8» تجسيداً لكتابة جديدة مختلفة في الخطاب المضموني والفني عن سابقاتهن حيث تمكنّ من إيجاد صيغ جديدة للحوار مع الرجل واستنطاق المسكوت عنه فتكسّر النص.. وتداخلت العناصر والتبست وطغت على بعضها وهيمنت لصالح عنصر واحد دائماً.


ملامح الخطاب الجديد:

(1) رغم حداثة القصة في الإمارات، ورغم التنامي الوئيد كمياً إلا أنها تمكنت بشكل عام من حرق مراحل التطور التي مرت بها القصة العربية، وتمكنت من مجاراتها فنياً وجمالياً، واستفادت من التطور في القصة العربية عموماً، فإننا سنلحظ تحول الخطاب النسوي الجديد إلى الرجل للتمركز حوله قلباً للدور الذي ساد في خطاب القصة عموماً، حيث كانت المرأة في بؤرة الخطاب تشريحاً من قبل.

ولنرى قصص مجموعة «مواء امرأة» التي تتخذ من الرجل هدفاً للصراع حوله، وكذلك في مجموعة «أوراق امرأة»، حيث حاولت الكاتبتان: فاطمة الكعبي، وعائشة عبدالله، تبديل حالة التراتبية في الخطاب الذكوري لصالح الأنثى وإعادة صوغ النظرة للمرأة كفاعلة تجاه الرجل وليس كما كان في السابق الرجل هو الفاعل والمهيمن في حركة السرد والقص كما هو متماثل في الواقع «إذا جاز لنا أن نعتبر القص تماثلاً وهذه قضية أخرى خارج السياق». وهكذا فعلت فاطمة المزروعي في مخطوطتيها «وجوه أخرى للموت».

2- فتح مساحات للبوح عن الداخل بحرية أكبر، وهذا اقتضى بعض الجرأة في طرح تلك القضايا المتعلقة بالجسد والمكبوتات الأخرى المسكوت عنها.. ورغم أن تلك القضايا قد تم تجاوزها لدى بعض المبدعات العربيات إلا أن التفاوت في شكل وحدّة الخطاب الاجتماعي تجاه تلك القضايا المتعلقة بالمرأة من دولة عربية إلى أخرى رغم المناخ العام السائد في الوطن العربي بعموميته تجاه المرأة، لكن القصة النسوية الجديدة تعاملت مع هذه القضية بحرية أكبر من الجيل المؤسس والوسيط، وفتحت مجالات أخرى لفضح العلائق الاجتماعية المعتورة من خلال قضية الجسد فبدأت منه القصة الجديدة لفض مكبوت خاص بالبيولوجي أو لفضح اعتوارات المجتمع ذاته بسخرية سوداء من خلال إبراز صورة الرجل العاجز أحياناً أو المهروب إليه، ولكن يتم الانسحاب من الفعل لتهميشه أيضاً وإبرازه دمية يمكن اللعب بها أو عليها، فعلتها قصص مجموعات «مواء امرأة»، و«أوراق امرأة»، و«الرحلة رقم 8».

وأحياناً يتم من خلال قضية الجسد طرح إشكالية أكثر عمقاً في المجتمع كقضايا الاختلال الطبقي أو قضايا الفقر والغنى.. أو حتى قضايا العزلة التي ما زال الخطاب المجتمعي ضاربها حول المرأة.

3- طرحت في القصة النسوية الجديدة نفس القضايا المتعلقة بالمرأة: الزواج، والطلاق، والعنوسة، وعدم الإنجاب، والإكراه على الزواج.. وهي بالقطع قضايا أساسية متعلقة بالمرأة، ومرتبطة بالزمان والمكان، ولكنها لم ترصدها فقط مثلما فعلت القصة المؤسسة، بل حاولت ربطها بقضايا السياسي والاجتماعي واتهام المجتمع بالتقصير تجاه شرائحه المدنية مع فتح أبواب أخرى للتعبير عن هموم إنسانية ونسائية مستمرة مع خطاب يميل إلى التمرد على شكل الفن ويطرح أسئلته المغايرة حول الذات الأنثوية محاولة لفض الهيمنة الذكورية على الخطاب القصصي.

4- الخطاب النسوي الجديد اتكأ على تهميش الرجل والتقليل من أسطورته المهيمنة رداً على ذلك الخطاب الذكوري، سنرى الرجل في الخطاب النسوي الجديد ضعيفاً.. هامشياً انتهازياً يميل إلى الدعة والكسل، وسلبياً.. شخصية غير فاعلة، وسنكتشف ذلك في قصص كثيرة من تلك المجموعات التي نوهت عنها خاصة في مجموعات «مواء امرأة»، و«أوراق امرأة»، و«غشاوة».

هذه الصورة الجديدة للرجل في القصة النسوية هي بالتأكيد رد على الخطاب الذي همش المرأة كثيراً.


الخطاب النسوي الجديد

فاطمة المزروعي نموذجاً



أولاً: سيرة المكان/ سيرة الأنثى

من اللافت في التجارب الجديدة في القصة الإماراتية، هو تخلصها من ثقافة المكان ورموزه التي سادت في القصة المؤسسة وما تلاها، ... وبالقطع هذا شيء طبيعي، بعد التحولات الحادة في المجتمع، ومعايشة الجيل الجديد لواقع جديد أيضاً صار لا يفترق عن بنية أي مجتمع آخر أصيب بلوثة التحديث، ومن ثم التغريب، ولذلك اتكأت النصوص الجديدة على محاولة البحث في الذات وفي مشكلة الأنا والآخر، وتلك القضايا الناجمة عن التغريب والتشيؤ.

ولكن الجدير بالملاحظة أن بعض الكتابات تصارع تنيناً خفياً كأنه يهيمن وينمو بشدة يحاول ربما من منطلق إثبات الهوية أو مواجهة التحديث إبقاء المرأة في منطقة اللاوعي الاجتماعي لأنها وسيلة مهمة في ثقافة هؤلاء ورمز يمكن اللجوء إليه - بالانغلاق - لإثبات تلك الهوية، ولذلك انحازت تلك الكتابات إلى الدخول في تلك المناطق الوعرة . . باحثة متأملة ومتألمة. وفي «ليلة العيد» سنجد مثل هذا التمترس الذي يتخذ أشكالاً متباينة ومتعددة أهمها ضبابية المكان وسيرة الأنثى فيه ..

قبل الولوج الكاشف علينا تدقيق النظر في معظم البدايات والنهايات لقصص المجموعة..

البدايات الوصفية وكأنها نظرة السرد .. وكذلك البطل أو البطلة المسرود عنها:

في قصة «بقايا تحت التراب»:

«خلف الليل، دائماً غيوم حُبلى بالآهات» ص42

قصة «نجم الشمال»:

« العالم كله مضطرب، تتلاحق أنفاسه المحمومة في شارع مخيف، جسده يرتعش» ص23

قصة «الأعمى»:

«الليل يمتد بأوجاعه الجامحة أمامه» ص06

... إلخ.

ومن النهايات:

قصة «شمس الليل»:

«جسد حمد يخبو رويداً، رويداً والأقدام تقترب» ص22

قصة «بقايا تحت التراب»:

«وعاد الظلام إلينا يعانق بقايا الذلّ تحت ترابها»

قصة «الأعمى»

«فتح الباب ثم سار في طريقه المعتم وفي رأسه كان يعرف أي طريق سوف تسلكه قدماه» ص46

... إلخ

نحن إذاً أمام قصص تحاول بحزن شفيف فض واقع الأنثى الجديد والهروب منه ومن المدينة الجديدة التي تشيأ فيها الإنسان، وصار مسخاً يتحرك ضمن آليات أقوى منه تدفعه فقط للبحث واللهاث خلف المادية الجديدة التي حلت بالمكان فأضفت عليه اللعنة والكآبة.

«الصمت يكسو طرقات قريتنا والوجوم يسكن فضاءها» ص62

«لا يزال الظلام يرقد في أحضان المدينة الساكتة يغرق طرقاتها الخالية بهدوئه» ص23

«تريد أن ترمي غضبها على الشاطئ، حوى بين رماله الكئيبة شيئاً من أوهام قد شاخت منذ زمن بعيد» ص54

« ينظر بحسرة إلى المدينة، يجدها غارقة في الظلام، فلماذا يصر الليل على أن يترك آلامه هنا» ص06

هذا الصمت، وتلك الوصفية للمدينة تأكيد لقبح المكان الجديد، واغتراب الإنسان فيه ومحاولة للبحث عن هوية المكان وكأنه التفنن في إبراز قسوته ربما لإبراز المعادل التخيلي أو الذي تحلم به الذاكرة، المكان الآخر المطمئن المستوعب لآمال وأحلام وهدوء نفس جريحة متعبة.

ü المدينة الجديدة التي لا تستطيع الائتلاف مع إنسانها وقادرة على سحقه وسلب هويته وحريته .. هي بلا شك مدينة كريهة .. والمكان الذي لا تطمئن فيه الروح هو مكان جامد يستحق الكراهية .. إنها سيرة مكان حاولت المجموعة إلى حد ما إبرازها وتأطيرها، وبالقطع هذا الإنسان سيكون مقهوراً منفصلاً عن مكانه يحاول الهرب إلى ذاته، إلى نفسه بحثاً عن الأمل وخاصة أنه ما زال مقهوراً بفعل عوامل اجتماعية وأخرى ذاتية وأسباب أخرى مجهولة ومعلومة .. في هذه المجموعة سنرى سيرة الأنثى الباحثة عن الحرية وعن وجودها في مواجهة أعداء تخلقهم الظروف الخاصة المعيشة، فضلاً عن تعملق النظرة الجديدة القديمة الدونية إليها.

أحياناً نرى الأسباب الذاتية والخاصة، حينما يترصد الموت أهم عوالمها الشخصية المسرود عنها في بعض القصص، مثالاً في قصة «عصافير المساء» ص94

فالبطلة ترى في غياب أمها - موتها - نجاة لها من عالم البشر وتحلم هي بالحرية وبالعصافير مع التأكيد على أوجاعها.

وفي قصة «الطوق» ص34

حيث تحلم البطلة بالحرية والانعتاق « في داخل أعماقها تزأر كأنثى نمر جريحة تريد أن تلملم تلك الأحلام المبعثرة، وترميها في أحضان الفجر القادم، لعله يرأف بها فيضمها إليه، يمنحها شيئاً من الأمل والتفاؤل».

ü المجموعة تعدت هم الأنثى إلى محاولة إبراز هموم الإنسان العربي كما تجلى في قصة «نجم الشمال»، و«ليلة العيد».

ü إنها ثقافة الصمت الجديدة التي حلت في مواجهة التغيرات في بنية المجتمع بدلاً من الرموز التي هرب إليها الجيل السابق ... إن الثقافة المنطوقة والسائدة والتي تقف وراءها شرائح اجتماعية جديدة ترسخ بها قيمها الجديدة وتروج لها عبر الوسائط والتقنيات والإعلام .. إنها ثقافة الانكفاء والوهن بالهروب إلى الذات وكأنها لا تجد مشروعية للحديث عن نفسها وسط عالم يؤمن بالمادية والأدوات.

ثانياً: الموت نافذة للحياة


1- قراءة في التجربة

أ- مجموعة «ليلة العيد»


ü المتابع لتجربة فاطمة المزروعي .. سيلحظ إثارتها لقضايا اجتماعية وهموم إنسانية، ومواقف متصلة بالقلق والعزلة والاغتراب.. سنجد ذلك أيضاً في مخطوطتها قيد الاصدار «وجوه أخرى للموت»، «كل الأمور حولي تبعث على الموت»، «شظايا»، «قرية قديمة في جبل» و«ليلة العيد»، مجموعة صادرة عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة 3002.

ولم تكتف بذلك، بل تعدت للتعبير عن الأنثى، وبتدقيق آخر تطلعت معظم قصصها لتناول المسكوت عنه، وهي بذلك تدخل قضية المرأة في نفق جديد ومهم لم يكن من السهل الدخول فيه من قبل في القصة النسوية الإماراتية ولكن بها بدأت مرحلة أخرى للقصة النسوية الإماراتية.

والمزروعي وهي تحاول طرح تلك القضايا الأنثوية دون مجابهة القيم الذكورية الضاغطة، وبالتالي تتكسر بطلاتها في حالة تستحق النظر في الأسباب. ولقد اتكأت المزورعي في قصصها على الليل والموت كمترادفين أو حتى متقابلين أحياناً لحياة تريد فض اشتباكاتها.. فالليل رمز لحالة مأزومة، وبيان فاقع لما آلت إليه الظروف القاسية المحيطة بمجتمع البطل أو البطلة .. فالليل حالة تخالها لن تنتهي فتلجأ إلى الموت كملاذ وهروب من الليل الذي يشكل أقانيم الذكورة، وقيمها وامتداداً لا نهائياً لها.. هذا الحل يفتح أبواب الحرية من هذا الظلم أو تلك القسوة.

وقصتها تبرز ألواناً من اختراق قسوة الذكورة وتعددها ما بين مادية ومعنوية.

مثالاً في قصة «بقايا تحت التراب» من مجموعة «ليلة العيد» توري سلطة الأب حين تقمع معرفتها للخارج الذي يعادل الحرية، ويبقى الداخل معادلاً للسجن والكبت، ولكنها تبرز أي القصة معاناة الأم من الأب نفسه، وهي أيضاً أنثى.

إذاً، فالقهر للأنثى بواسطة الرجل مستمر ومتباين بصور متعددة، نراه بجلاء في قصة «الطوق» من المجموعة ذاتها والتي تعزز فرضية الموت المعادل للحرية.

في مجموعة «ليلة العيد» سنلحظ تكرار مفردة الليل (77 مرة) بينما تتكرر مفردة الموت في مخطوطة وجوه أخرى للموت (25 مرة) تقريباً بينما تكررت (85 مرة) تقريباً في مخطوطة «كل الأمور من حولي تبعث على الموت» وتكررت بكثافة في نفس المخطوطة مفردة الصمت ومفردة المرض.

وعلى مستوى الموضوعة سنرى قصتها فـي المشهد النسوي الآني تبحث فـي التراتب الذي يهمش المرأة بوصفها إنسانة وتنقض تلك المسلّمات فـي الخطاب الثقافـي والتي تتبنى مقولات جاهزة عن دونيتها أو تختزل صورتها إلى صورة نمطية مستنسخة ومكررة دائماً مما يؤكد على صفات هوية أنثوية مصنوعة ومقولبة اجتماعياً.. ومحاولة تحسين صورتها السلبية فـي الأدب الذكوري، كما حاولت قصة الأنثى كشف بعضٍ من المسكوت عنه فـي الواقع الاجتماعي وإحلال صورة أخرى بديلة عن صورة ذلك الواقع فـي محاولة لتكريس صورة أخرى مغايرة تجترح بها تلك النمطية فـي الوعي عنها.

إن محاولة مواجهة سلطة الخطاب الأبوي بسلطة أخرى مستمدة من الخطاب الأدبي للقصة النسوية الجديدة، خصوصاً لجهة تجربة تستحق إنعام النظر لأنها تمتلك جرأة لم تتوفر لجيل الرائدات وما تلاهن من جيل وسيط ربما لأن حالة التهميش للإنسان بصورة عامة صارت أعمق وأكثر أثراً وأن المناخ الاجتماعي رغم تعقيداته وتشابكاته ما بين الحداثة وطروحاتها وما بين السائد المجتمعي مازالت مستمرة.. وأن تفاعلاتها اليومية تضفي ظلالاً من الشك حول فضها فـي المنظور القريب، إذ إنها صارت مناخاً يلجأ الجميع إليه، للبحث فـي الفروقات والطروحات كلما اشتدت هجمة العولمة، والمتأمل أكثر فـي النصوص النسائية الحديثة يرى أن الآليات التي تستخدمها القاصات تساهم فـي تحسين تجربتها المتعلقة بكيانها العقلي والحسي والنفسي وإطلاق الطاقة المتحررة إلى كتابات تتخلص من المقموع، وليس فقط تدينه، بل ترفضه، كما أنها كسرت تراتبية الفن زمنياً ومركزياً واهتمت بالتدفق السردي رغم أن القصة تحتاج إلى التكثيف والاكتناز والاختزال.

ü والمضمون الفكري الذي لعبت عليه أو طرحته مجموعة «ليلة العيد» أثار القضايا الاجتماعية والهموم الإنسانية والمواقف المتصلة بالقلق والعزلة والاغتراب.

بالإضافة إلى الاهتمام بالأنثى وبمشكلتها الذاتية. ربما لأن المرأة مازالت تعاني بعد كل هذه السنوات من مشكلتها المجتمعية المتناقضة في الوعي الجماعي والتي ما زالت تنظر إليها بدونية، رغم أن الوعي الذكوري سمح لها بالتعليم والاشتغال في الوظائف العامة واجتراح الحياة ولكن الصورة أعمق والنفسية ما زالت تتهمها بهتاناً بقضايا ما هو مسكوت عنه.

ففي قصة «عشق» لفاطمة المزروعي تواجه الكاتبة حالة المدن العربية والاستعمار الجديد وضياع الأشياء الجميلة والأمل.. وتناجي بطلة القصة أملها باحثة عنه فـي الذكريات والماضي.. حاثة إياها على العودة والرجوع، وكأن «ليل» هذه هي الثورة والتغيير والأداة الخارقة التي ستعيد الأمل والبسمة للمدينة وللفقراء والمحتاجين، وأيضاً للمسجونين.

«خبريهم يا «ليل» أنك ستضيئين فجر وطني، وتمسحين كل الصباحات المريرة من حياة اليتامى وتغرقين بدمائك الحارة كل الخائنين فـي مدينتي..

خبريهم أنك ستعيدين الشمس الدافئة إلينا، أرجوك يا «ليل» لا تجعلي ليالي الألم تسكن أحلامنا..

السجون تستغيث بك تستجديك، برسم أناملك على الأوراق البيضاء، وبعثرة الألوان على وجنتي، رأيتك «ليل» خيوطاً من النور تتسرب وتلتف حول وطني».


الشكل الفني:

الحقيقة أن القصة القصيرة الجديدة النسوية خاصة تنوعت بين الشكل التعبيري والتجريدي، وأنها استخدمت أساليب وتيار الوعي والمونولوج الداخلي، المناجاة، التداعي الحر، والارتداد والحوار الرمزي وأساليب السينما والمسرح والتقطيع الموسيقي وإن كان ذلك لا يعني أنها امتلكت قدرتها الفنية أو أنها قبضت على مداميكها الفنية والمعمارية، إذ يلاحظ أنها انحلت أحياناً من الشكل الفني، بالقطع سيعود ذلك إلى التمرد على الشكل أو ربطه بالحالة النفسية والإنسانية للإنسان عامة والكاتب أو الكاتبة خاصة، ولكن يعود بالضرورة إلى أنها كتابات أو لكاتبات مازلن يشكلن عالمهن القصصي وأنها نصوص مازالت مشغولة بفتنتها الأولى باحثة عن أسئلة الإبداع والآني.

تقنية الارتداد:

- استخدمت فاطمة المزروعي نفس التقنية فـي قصتها «بقية تحت التراب» ترتد بنهاية قصتها إلى مفتتحها «وعاد الظلام إلينا، يعانق بقايا الذل تحت ترابها الواهن..».

هذا المشهد الارتدادي يعود إلى بداية المشهد الأول فـي القصة ذاتها..

«خلف الليل دائماً غيوم حبلى بالآهات، الليل دوماً يأتي على قريتي، أعتبره رائداً وديعاً يحمل بين جناحيه غموضاً لا يستهين».


المونولوج الداخلي:

بينما نرى فـي قصة «بقايا تحت التراب» استخدامها لنفس التقنية، البطلة تستدعي بعض رؤاها وذكرياتها.

«النيران تتأجج، تتراقص، تحاول التهام جسدي بشهية، شريط طويل يرتاد ذاكرتي، والدي، قصص والدي، أهالي قريتنا الجبناء، والغموض الذي يحيط بها، والظلال، واستيقظت، ويدي تتحسس كل قطعة فـي جسدي، خلت نفسي وقد قتلتني الظلال... إلخ».


بنية الخطاب السردي:

باستعراض نصوص مجموعة «ليلة العيد» ولمحاولة تفكيك بنية الخطاب القصصي.


العنوان:

العنوان يعد العتبة الأولى للنص، مفتاح النص نظراً لما يكتسبه من أهمية في علاقته بالمضمون وبعده الجمالي والإيحائي، إذ يمكن العنوان من الدخول إلى النص وكشفه واستجلاء ما يود طرحه من رؤية أو فكر أو خطاب فكري أو مضموني..

وبالنظر إلى بعض العناوين فإنها ستشكل علامة أولى في التعرف إلى الخطاب القصصي المحتوي بهذه المجموعة خاصة تلك القصص التي تبحث في ثيمات الاغتراب أو الباحثة في اشكاليات المرأة لنرى مثالاً:

شمس الليل/ بقايا تحت التراب/ الطوق/ الأعمى/ عصافير المساء ....

والعنوان بهذا التكيف يحتمل الكثير من القراءات التأويلية ويساعد المتلقي على الولوج إلى النص لأنه معادل لواقع يحاول النص تماثله.


البنية التشكيلية للخطاب:

انطلاقاً من النظر إلى النص باعتباره تشكيلاً معمارياً دون التغاضي عن العناصر الفكرية أو المضمونية المتصلة بفضاء الخطاب العام فإنه يمكن البحث في:

البداية: حيث إنها سردياً تعتبر اللحظة المهمة فـي سير الخطاب الدرامي للنص، فالجملة الأولى تمثل السرد التابع لزمن الفعل، ففي مجموعة «ليلة العيد» سنرى معظم بدايتها تهتم بالبحث فـي الخطاب المهيمن على القصة قبل الولوج إلى المشهدية القصصية أو حتى الفوضى فـي زمن الحدث مثالاً: بقايا تحت التراب.

«خلف الليل دائماً غيوم حبلى بالآهات، الليل دوماً يأتي على قريتي، أعتبره زائراً وديعاً يحمل بين جناحه غموضاً لا ينتهي»، هذا الإخبار توطئه لإبراز المناخات العامة المكانية والزمانية وكاشفاً بالتالي عن أنها الدلالة النفسية للانتقال إلى الحدث وإلى مجريات الفن وشروطه، وانزلاق الزمان فـي المكان ونمو الحدث الذي لن يبدأ من هذه العتبة، ثم يبدأ الحدث: «فـي الليل كنت أشعر بأشياء تدور من حولي... إلخ». وهذه هي الجملة الأولى التي تمثل سرداً تابعاً بالنسبة لزمن الفعل الذي سينمو باتجاه المستقبل، فالحدث الأولي يكتسب معنى التدفق نحو الآتي.. ينمو باتجاه المستقبل، «وكنت أشعر بأشياء تدور من حولي»، والمكان الذي يأتي واضحاً ومباشراً ليس فيه لبس بعد الغموض الذي يعانيه البطل فـي فهم الأشياء التي تدور حوله ولا يفهمها ويزداد الغموض والالتباس حين يتعمد الأب، السلطة الأبوية والذكورية والمهيمنة والتعمية والإقصاء وحجب المستور «نظرة حادة من عيني والدي تخرسني، وتجعلني أدس عيني فـي أوراقي».

والمكان الذي لا لبس فيه رغم ذلك يكتنفه الغموض لأنه مكان كبير والكاتبة صبغته بالغرابة دون تحديد أو وصف لهذه الغرابة، بالإضافة إلى أن المكان لم يتم وصفه مشهدياً، ولكنه اقترن بالمشهدية الفكرية أو ربطه بالخطاب المهيمن على القص..

«قريتي عالم غريب، فـي النهار تلمح وجوه قاطنيها». انطلقت من المكان إلى وصف الشخوص المرتبطة بالمكان، وأيضاً ترسم حالتها النفسية مقترنة بمفردات المكان رغم أنها فـي خطابها توصم هذا المكان بالغرابة، فهل الغرابة لأن الناس متفائلون يشقون الحقول حولهم حلم ملون بالفراشات.

إذاً، هو الخطاب الآخر المغاير لحالة الغربة الجميلة الوادعة، ولكن الاستنكار يأتي عن حالة البطل المستنكر للصمت والغموض والهدوء والعالم فـي الناحية الأخرى من أفكار تشتعل.. إنه استنكار الخمول والتراخي فـي مواجهة التردي الظاهر والخفي الذي يتربص بالغربة كل مساء، ومواجهة كل هذا التردي الذي عبرت عنه القصة برمزية غير مباشرة. والقاصة اهتمت بالمكان تالياً عن طريق الوصفية وعن طريق اللغة كسياق ودلالات، فالمكان أنشئ فـي الذهن، القرية ثم فصلته ضمن مغامرة البطل بالخروج والتحدي والتعامل مع بعض مفردات مشهد المكان، النافذة، المنزل، الطرق، البيوت الهامدة، الظلال.. وتماهي البطل المتحرك الباحث عن سر قريته والمغامرة هنا الخروج فـي الليل، تحدي المحظورات.. البحث عن سر الغموض هي إيماءات لفك مغاليق الأبعاد الإنسانية فـي ذات البطل.. الذات البشرية بغية الاستيطان وتعريتها واستنطاق المسكوت عنه.. إن مغامرة البطل بالحركة فـي المكان ضمن الزمن السردي ما هي إلا محاولة لمعانقة الأفق الإنساني.. وما المكان إلا ارتباط دلالي على أزمة الإنسان وعدم وعيه بكينونته أو بما يدور حوله بفعل خطاب أكبر مهيمن لا يدرك كنهه أو حتى وجوده أحياناً.. إنها القوة الأخرى الخفية فـي عالمنا التي تسير حياتنا، كما تريد بالقطع لمصلحتها ولفائدتها، والإنسان ما هو إلا إحدى أدوات اللعبة لصالح تلك القوى، ولذلك يزداد الاغتراب ويزداد الانسحاق.. والكثير من محاولات الفهم ترتد مرة أخرى على محاوليها لأن القوة المهيمنة أكبر وأعظم. إلى حد قتل الحرية:

«يرفع شعارات لطالما قرأت عنها فـي كتب التاريخ، يهتف بعبارات أولها كلمة الحرية، وآخرها عبارة تحمل بين طيات حروفها رائحة الموت».

وتنتهي القصة بالعجز والارتداد إلى البداية: «وعاد الظلام إلينا، يعانق بقايا الذل تحت ترابها الواهن».

وعند النظر إلى الزمن السردي سنجده زمناً رجراجاً متداخلاً لم يأخذ شكل النمو الرأسي ولكنه تكون من متجاورات متقاطعة بين الماضي والحاضر والزمن الموضوعي الكاشف عن حالات الإنسان أو القرية - المكان الأكبر الذي اتخذته القصة ميداناً لحدثها الذي يتلخص فـي مشهدية استنكارية لتردي الأوضاع بعمومية ومحاولة البطل استنهاض الناس من خلال مقاربته بين ما يوده والحادث فـي قريته ودائماً ما يتخذ من الليل مرجعية للسيئ والسواد والضبابية والتي يريد أن يمحيها بفعل الآخرين عبر استنهاضهم عن طريق الوعظ بأهمية الالتفات إلى خطورة هذا المهيمن وعواقبه على الناس والمكان.


بنية النص الداخلية

وهي تلك التي تهتم بنسق العلائق السردية لجهة الزمن خاصة وسرعة السرد أو حركته يتم التدخل فيها عبر التقطيع الزمني أو تكتيك الزمن المستخدم فـي النص والتدخل المشهدي أو الوصفي القاطع لحركة الزمن أو المساهم فـي تدفقه بالسرعة أو بالبطء. وبالنظر إلى النص سنجد ذلك واضحاً حيث تدخل الكاتبة كثيراً لقطعه أو وضعه فـي صيرورة الحركة السريعة أو إيقافه أحياناً عبر سرد يتماهى فـي الحدث أو قاطع له أو وصفٍ يصيب حركته بالتوقف.

ففي مجموعة «ليلة العيد» سنرى مفردة «الليل» والتي تتكرر 77 مرة، هذه الكلمة التي تلون معظم صفحات المجموعة قد يكون دالاً على زمن فعل الآخر.. ذلك الفعل المرتبط باللامباح أو المتستر عليه، وإذا ما ارتبط ذلك بأجواء المجموعة أو الخطاب المهيمن عليها فإنه سيخرج إلى الضبابية التي تسود هذا العالم الخارجي الذي هيأت له المجموعة، وذلك التنين الجاثم على روح المكان: المدينة، القرية، والذي دوماً تبرزه النصوص كواقع غير مرغوب فيه.. إنها المدينة الجديدة التي ترزح تحت وطأة الاختلال النفسي لقاطنيها نظراً لتعاظم الانسحاقات والهموم الكبرى الآتية من خارج أطر هذه المدن فـي معظم حالات هذه القصص.. وفـي سياقات ودلالات هذا التكرار المحوري سيحتل الليل صدارة الترتيب فـي الحكاية أو القصة محيلة إلينا الحالة النفسية والاجتماعية والضاج بشعور الخيبة والمرارة لقسوة هذه المدن وحرارة القابض عليها مما يرتب شعوراً بالخيبة والمرارة لدى أبطال أو بطلات هذه القصص وتحليها بالقلق الوجودي واهتمامها بالتأزم نظراً للرغبة الملحة بالبوح - والذي يتم فعلاً - والتمرد على هذا الواقع وهاجس الخوف المتمكن من فضح الآني والحاضر.


ب ــ مخطوطة «وجوه أخرى للموت»

وفي مخطوطة «وجوه أخرى للموت» سنجد تجربة المزروعي تتطور فنياً لجهة اللغة والتي تتخلص من إنشائيتها وشاعريتها التي تتلاءم وحالة عدم المواجهة بالتمرد مع أقانيم الذكورة وتسلطها في مجموعتها «ليلة العيد» والتي فقط اكتفت بتعريتها والهروب المكتوم منها بأمنيات الحرية والخروج إلى آفاق أوسع اتخذت الموت رمزاً لها.

بينما في «وجوه أخرى للموت» تفتح اللغة آفاقاً أخرى للموت وأنه ليس فقط ملاذاً وهروباً ولكنه تمرد. واتسعت حالات الكشف عن اعتوارات أخرى تطال شرائح جديدة في المجتمع ليس فقط الأنثى لكونها أنثى، ولكنها تفضح علائق غير سوية تسود أفقياً ورأسياً في نسيج المجتمع القصصي المتخيل فجنحت اللغة إلى أن تكون ساردة دون التخلي عن ولعها بالوصف الترتيبي أحياناً.. بالإضافة إلى التقنيات التي اتبعتها في السرد في مجموعتها «ليلة العيد» كتقنية الارتداد /المونولوج الداخلي/ الحوار ... إلخ، فأضافت في «وجوه أخرى للموت» التقطيع ولعبت أحياناً بتشابكات للزمن تقديماً وتأخيراً.

وستنتقل المزروعي في مخطوطة «وجوه أخرى للموت» إلى إشكالية أخرى بالإضافة إلى إشكالية الذكورة/ الأنوثة، وستجترح مشاكل مجتمعية متعلقة أيضاً بقضية الحرية والقلق الوجودي مما يعني تغيراً في لغة الخطاب القصصي لديها نحو تعددية الدلالات. وينهض من محاولة لفهم أعمق لتلك الإشكاليات الجديدة وكذلك لوضع إشكالية الذكورة/الأنوثة في سياق متعدد الوجوه والأثر.

ففي قصة «وجوه أخرى للموت» مفتتح المخطوطة سنرى تمرد البطلة على الموت والفقر، الذي غيب الأم بأنها ستراها عن مخيلتها، وتحاول إعادة إنتاج صور لموتى آخرين للتغلب على هذا الإشكال الوجودي والحزن المترسخ من فقد الأحباب.

وتحاول المزروعي من خلال ثيمة الموت الكشف عن وجوه أخرى لحالات تستوجب إعادة النظر أو النظر فيها بعمق، فهذا الفقد المتعدد أو المتباين حتى وإن اجترح أسباباً وجودية وقدرية ولكنه كاشف عن عمق الاعتوارات في المجتمع المتخيل، وهي بهذا تفضح الأسباب بتكرار تنوع حالات أو طرائق الفقد التي تصل أحياناً إلى حد الغرائبية والعبثية.

والموت تمترست به الكاتبة للكشف عن العلاقات التراتبية المفضية إليه، فهو أولاً كاشاف لاعتوارات الشخصيات الناجمة عن أسباب:

ـــ فقد الحرية.

ـــ قهر الذكورة للحالة الأنثوية.

ـــ قهر الحالة المجتمعية ككل والتي لا تتيح أحياناً فرصة التواشج في النسيج الاجتماعي والمجتمعي.

ثانياً: الموت كاشف للمسكوت عنه في علاقات عينات المجتمع القصصي المتخيل، فأسباب القهر كثيرة منها مثالاً تلك العلاقات الإنسانية والحميمية والتطلعات البيولوجية التي لا يمكن فضها للقيم السائدة في العالم القصصي لفاطمة المزروعي.

ü ولذلك سنكتشف اهتمام المجموعة بملمح الموت كمعادل للحرية ولفض الاشتباك والخروج من الأزمة... وكأن الموت هو الحياة أو المعادل الموضوعي للحياة لأفراد مأزومين. وسنرى بالتزامن مع الموت ملمحاً آخر للهروب المؤقت لتلك الشخصيات يتمثل في استخدامها مفردة النافذة وكأنها مرادفة أيضاً للموت كمهرب للتسلل إلى عوالم أكثر رحابة أو مفتقدة أو متخيلة، ترى فيها الشخصية ملاذها نحو الآخر أو المكان الآخر أو حاملة الروح والجسد من المكان المشوه الباعث على النفور.

وكذلك سنواجه بمفردة المرآة.. وهي تقنية للكشف عن خبايا النفس وعكست حالاتها المشوهة، والمكنون الداخلي للشخصية، وهي تقنية كاشفة عن أزمات الشخصية.

ففي قصص انقلاب/ لم يكن له ملامح/ تمرد/ بعث/ حكاية حقيقية قماشية خدعة/ الرجل الغريب الذي زار مدينتنا ذات مساء.

سنرى في هذه القصص حالات موت وفقد غريبة ومتنوعة.. هذا التنوع وتلك الغرائبية يكشفان عن تعدد أساليب الالتواء والالتجاء والهروب.. ويكشفان أيضاً عن قسوة الضغوط والاعتوارات لدى الشخصية التي تحاول الفكاك بطرق غير متوقعة للالتفاف على تلك العلاقات المتجهمة والضاغطة. كما أن الموت/الهروب كاشف عن بنيان مجتمعي فيه اختلال واعتلال وسوية غير متسقة لتبرز الظلم والجور والقهر.


ملامح الشخصية لدى مجموعة «وجوه أخرى للموت»

ـــ ففي انقلاب

الشخصية: مشوهة قصيرة يبدو أنها غير جميلة .

«أنظر إلى المرآة، من هي أجمل امرأة في العالم؟ أضحك من سخرية ممزوجة بحزن بالغ» ص7.

ـــ لم يكن له ملامح

شخصية البطل لم تكن لها ملامح.

«لم يكن له ملامح... يبدو وكأنه غارق في الظلام، هكذا تحوّل إلى جسد متجهم وعينين مرهقتين».

ـــ تمرد

تأتي حالة الفقد هنا كتمرد رغم أن المفقود حذاء.

وهو ليس حذاء بل كل الأحذية، وفي كل البيوت.. والحذاء هو الإنسان القصة أنستة الأشياء، وأيضاً ساوت الإنسان بالحذاء.. (لا فرق بيني وبين حذائي؟ لا إنهم يعاملونه أفضل مني).

وبالتالي فإن التمرد هنا حالة هروبية تتمناها الشخصية التي تشعر بالدونية والاحتقار والمساوية للحذاء.

ـــ بعث

الشخصيات تعاني من اضطراب نفسي.

«قررت إحالة الجميع إلى الطبيب النفسي الذي أكد بدوره أن جميع أفراد العائلة يعانون من اضطراب نفسي وقلق».

الوفاة هنا بعث لشخصية يبدو أنها كانت مأزومة وبعد الموت أعاد إليها الحياة بحرية تتحرك.. بحرية تتكلم.. تجتاز ما تريد من عوائق...إلخ.

حكاية حقيبة قماشية قديمة

الشخصية مهمشة وتنزف من روحها.

«في غرفة صغيرة، جلست وحدها، بيديها دمية محطمة الرأس، بينما كان جرحها ينزف نزفاً وعينيها تذرف دموعاً خبأتها طيلة أربع عشرة سنة»

قصة الرجل الغريب الذي زار مدينتنا ذات مساء.

الشخصية تعاني القلق وكتومة.

«تراجعت إلى الخلف وعيني تتلاقى مع عين الرجل الغريب من خلف زجاج النافذة وصرخت.. وحدي كنت أعرف السر».

وباستعراض أكبر سنجد أن الشخصية البطلة في المجموعة تعاني سمات التهميش والدونية والإهمال والانسحاق والأسباب تتعدد وتتنوع.


2 ـــ دلالات الموت

أ ـــ مدخل أولي:

كما أوردنا أن الموت معادل للحياة وهروب من الحالة المحاصرة للشخصية.. والموت لم يكن ردة فعل سلبية، بل كان تمرداً أيضاً، ولقد كان كاشفاً في الوقت ذاته عن أسباب التهميش والاستخفاف الذي تعانيه الشخصيات، بل وساهم في فضح المسكوت عنه في العلائق السرية أو المخفية أو حتى المعلنة التي أحياناً تستوجب عدم التطرق إليها في مجتمع ما زال يمتلك قيمه بخصوص تلك العلائق في الشخصيات التي لم تصل بعد إلى حالة الموت والتمرد للإطلال أولاً على قيم أخرى خارج هذا السجن وذاك القهر، وعالماً أخرى يجب البحث في سره وكنهه.

وفي داخل السجن أيضاً كان لابد من أداة باحثة في عمق الذات والشخصية وكاشفة لها عن مدى بشاعتها الناجمة عن قهرها وتهميشها، فكانت المرأة وسيلة لقصة المزروعي لفحص تلك الشخصيات وتعريتها كي تتحفز للفعل وللعمل الخلاق نحو الحرية والانعتاق.

في قصة انقلاب من مخطوطة «وجوه أخرى للموت» الشخصية حقيرة قصيرة تطل على ذاتها من مرآتها وتؤكد لها المرآة أنها غير جميلة.

«أنظر إلى المرآة، من هي أجمل امرأة في العالم! اضحك في سخرية ممزوجة بحزن بالغ..».

حياة الشخصية قلقة تبحث عن الحرية، ولكنها مجرد مفاهيم مقلوبة وتصطدم الشخصية بحرية البعض التي يرونها في القتل والتعذيب وتدمير الإنسانية.

إنه صوت الشخصية المتذمرة على الحروب وآلة القوة الغاشمة التي باتت تطال الإنسان في كل مكان وخاصة وطننا، ولذلك تطل من النافذة على العالم الآخر الخارج عن عالمها، فتجده عادياً لا يأبه للتغيير، ولن يضره موتها، فتقرر الانتحار سأماً وغدراً. وفي لحظة الانهمام بالحالة تفكر بلحظات في حياتها.. تتذكر القبلة الأولى التي طبعتها على شفتي؟ يومها اكتشفت عجزي وغبائي..!!

أنت تتوق لامرأة تبهجك بتفاصيل جسدها، تطفئ رغبتك في آخر الليل، تمارس طقوسك عليها مستمتعاً بتأوهاتها حتى لا تكشف عجزك.

إذاً، فالتفكير في الموت والإقدام عليه هو تمرد على حالة التهميش والتدمير للإنسان، وكشف أيضاً للمسكوت عنه في علاقات الأنثى/ الرجل والتي نالت مساحة لا يلجها بعضهن استحكاماً لأقانيم مجتمعية.

«أحس به من الدوار الذي بدأ يلف بي أنه يأتي من هناك، من البعيد، من حيث النوافذ المشرعة أشعر بملامح وجهه بين لمسات أناملي، جبهته، حواجبه، أنفه، شفتيه، فقظ شفتيه والظلام».

نفس التقنية سنراها في باقي قصص المجموعة، موت كاشف عن أسباب مجتمعية مشوهة للشخصيات وقاهرة وأيضاً كاشفة عن اعتوارات الحرمان والرغائب المسكوت عنها في نصه لم يكن له ملامح «أضع يدي على كتفيه، تتحرك في أعماقي رغبات مدفونة متوهجة، يلتفت إلي في برود...إلخ».

في قصة حكاية حقيبة قماشية قديمة «من نفس المخطوطة» أعتقد أنها أول قصة إماراتية تبحث في عذابات الختان للنساء، ومراسم إجراءات تلك العملية التي كانت تقوم بها سيدة انتهت حياتها بموت غريب أيضاً على عادة قصص تلك المجموعة، وجدت مقتولة ونهداها مبتوران.

تؤكد القصة على عذابات المرأة المختونة وقهرها الداخلي الناجم عن تشوه نفسي مصاحب لهذه العملية كما نرى القصة.

«سنة 4002 في غرفة صغيرة، جلست وحدها، وبيديها دمية محطمة الرأس، بينما كان جرحها الإنسانية أو الذكورية التي تحتم نظرة خاصة باتجاه الأنثى أو حتى الرجل أحياناً رغم تطور المجتمع وانفتاحاته على عوالم أخرى أزاحت الكثير من قيمه ولكن يظل عالم القصة المتخيل لدى المزروعي مستنبطاً تلك الصور الشوهاء في العلاقات الأسرية الأفقية والرأسية أو الأنثى/ الرجل، والتي محورها وأساسها القهر والتهميش للأنثى. ومن هذه القصص سنرى حجم المسكوت عنه الذي فضحته القصص وتلك الرغائب الإنسانية المعنوية والبيولوجية التي فكت طلاسمها لتلامس الوجوه الأخرى، التي تفرّ من الموت باتجاه الحياة وباتجاه الحرية، وباتجاه إطار جديد للعلاقات الإنسانية يجب أن يتوفر في مناخ أكثر احتراماً لآدمية الإنسان المرأة خاصة.

وإذا كانت القصص توسلت بتقنية الموت للتعبير عن التوق للحرية والخلاص فإنها فإنها رأت في النافذة كوة من داخل سجن الشخصيات للإطلال على الحياة الأخرى المبتغاة. ولذا تكررت مفردة النافذة على طول القص باعثة أملاً مستمراً «...ينزف نزفاً، وعينيها تذرف دموعاً خبأتها طيلة أربع عشرة سنة».


ب ـــ الموت: رؤية أخرى

في المخطوطتين:

«كل الأمور من حولي تبعث على الموت»

«وجوه أخرى للموت»


سنرى شخصية المرأة المسحوقة الممسوخة.. الباحثة دوماً عن منفذ للحرية، ولذلك سنجدها تبحث في مكان ما

الصمت

الموت

النافذة

المرض

المرآة

وكلها بيئات راصدة لأوجاع الشخصية وتأملاتها القصدية في حالتها وأيضاً كملاذ للهروب ودرب للتحايل، فالموت ليس هدفاً في حدث ذاته، ولكنه بحث في عالم آخر أو مهرب من الحالة المعيشة.

إن رائحة الموت المستشري من قصص المخطوطتين راشحة من هموم وأزمة الشخصية البطلة، ولذلك فإن الأجواء المهيمنة على النص هي ناهضة من أجواء حزينة وكئيبة لعوالم متخيلة ربما تكون محاولة لواقع معيشي أو تعبيراً عن أزمة الذات والشخصية في النص القصصي لدى فاطمة المزروعي، ولذلك سنرى أن الموت يشكل ثقافة وفكر النص بمعنى أن الأجواء الطاغية هي التي تتمحور للانغلاق حول أجواء حزينة وأليمة في تجربة أبطال النصوص، ومن هنا ستتكرر دلالات أخرى كأجنحة لهذا الموت بمعناه المعنوي والسيميائي سنجد مفردات أخرى تأتي في سياق هذا التوتر الحزين لعوالم الشخصيات. ولذلك ستبدو أزمة الشخصية قبل التعرف إليها من الداخل بدلالات التمظهر الخارجي الراشح من مفردات.

1 ـــ الصمت ـــ كسمة غالبة للشخصية الرئيسة.

2 ـــ المرآة ـــ كنافذة لتأكيد الذات أو الإطلالة على هذا الداخل المكسور المهشم.

3 ـــ النافذة: كتقنية لجأت إليها الكاتبة للهروب من الواقع إلى الحلم أو الأمل أو المستطيل المطلوب أو المنشود.

4 ـــ المرض كحالة عضوية تؤكد على انهزام الشخصية واعتلالها في مواجهة جبروت المجتمع وتسلط الآخرين.

إن هذه العلائق التي يمكن أن تستشف من هذه المفردات المتكررة بتعمد داخل النصوص، لابد وأن تكون في سياقها اللاواعي تأكيداً مهماً على نوازع الحالة المتجاذبة حول الشخصية أو إبرازاً للمحيط القلق الضارب حول الشخصية. وإذا ما ما دققنا في الموت كتقنية لجأت إليها المزروعي، يمكننا إعادة تقسيم الهدف من اللجوء إليه كالتالي:

أ ـــ تعبيراً عن الراهن المعيش

وسنلمح ذلك من عتبة العنوان الرئيس لمخطوطة «كل الأمور من حولي تبعث على الموت».

وهو يأتي مسباراً مهماً لإعلان الضجر في هذا المحيط الضارب بقتامة حول الشخصية البطلة في قصص المجموعة المأزومة من حالة التهميش أو السجن في ذاتها أو داخل جدران المكان.. ولذلك سنرى حالتها تتقلب بين المرض والصمت والتأمل من النافذة بحثاً عن حل أو حتى بحثاً عن عين حانية، بينما في عنوان المخطوطة «وجوه أخرى للموت» سنرى أيضاً تمترس الكائن خلف الموت لإبراز صور متعددة مشوهة لبطلاتها لتعرية واقع المرأة المعتور لأسباب تتعلق بالمكان في بعده المكاني والمعنوي، فإذا كانت البطلة لا تعترف بموت أمها في قصة «وجوه أخرى للموت» واستمرارها بالرفض عبر توسلها بتقنية الرسم تأكيداً على أمنيات الشخصية فإنه تعبيراً عن الهروب به من عالم الأسرة الممسوخ، ومن لحظة ضعف الشخصية التي صارت يتيمة بفقد أمها.. بينما سنرى الموت تعبيراً عن الحياة رغم آلام الفقد في قصة «لم يكن له ملامح»، فالموت غير الطبيعي سواء في الشكل أو الطريقة لفقد المعادل القوي المرتجى والذي يمثله غياب ابن الزوج هو مواجهة الانتقام اللاواعي من هذا الزوج العجوز وإعلام آخر عن هامشية المرأة عند الزواج وعند الحياة وعند التمني والرغبة، ويظل الموت هنا رمزاً لأحلام لا تتحقق لتلك الشخصية المحرومة.

وسنرى هذه الشخصية النسائية تتكرر في قصة «ما يشبه الوهم» حين تتجرأ المرأة بخرق السائد والإفصاح عن مكنون مكتنزاتها المشاعرية والأهداف الأخرى للاقتران بشخص رجل أو الاقتراب منه أو إقامة علاقة معه، وأعلمت الآخر بحبها ورغبتها في هذا الحب، ولكن الرجل الشاب المتفاجئ كأنه هرب.

المكان بقيمه القائمة يشكل عنصراً ضاغطاً على الشخصية النسائية تحديداً والشخصية بدورها واعية لكل محررات المكان وأسباب تهميشه للمرأة والمظاهر، ولذلك ستحاول هذه المرأة المسحوقة أمام إسباغ دلالات ومظاهر هذه الضغوطات ومحاولات الالتفاف السلبية والمواجهة المكتومة الصامتة لعناصر الضغط ولكن بلا مواجهة جادة أو صاخبة هي فقط تعلمت الأسباب وكيفية علاجها حالتها بالسكوت والرضوخ والصمت أحياناً في قصة «باقة ورد حمراء».

امرأة واعية بحالتها وحالة الآخر زوجها الخائن العاجز جنسياً، ولكنها تواجهه بالصمت رغم كراهتها عند اللحظة الحميمية، ولكنها تتظاهر بعكس ذلك، وتمنحه الدلال والغنج.. هذه الشخصية المزدوجة تعلن في وضوح هذه الكراهية للزوج وتقاطع ذلك مع حبها وهوسها لرائحة الرجل وتقاطيع جسده وتنبهر حينما ترى هذا القوي في التلفاز أو في المجلات، وتنتهي القصة بموت الرجل ولربما كان الموت معنوياً فثمة التباس حول نهايته وتذكرها بموتها المعنوي أيضاً حينما تعلمت بأن وضعت وردة حمراء

«وسط القبرين

حيث أنت وأنا..

والصمت الذي جمعنا يوماً..»


ب ـــ الموت هروب للأمام

في قصة «لا شيء» من مخطوطة «كل الأمور من حولي تبعث على الموت» سنجد اختلاط الخيال بالواقع، وسنرى الشخصية الرئيسية رجل، ولكن السرد كله حول شخصية أخرى في الظل.. إنها قصة المرأة المتعبة المهمشة المريضة، معاناتها منذ الطفولة وشقاؤها في الكبر، وتوسلها الراغم بإخفاء آلامها النفسية والمادية .. ولكنها تجعل النهاية أيضاً لا تفصح بوضوح هل هذه الشخصية موجودة أم غادرت بالموت.. هذا الغموض الفاصل بين المتخيل والواقع يفتح كوة لهرب الشخصية من واقعها المرير الناجم حتماً وحسب تداعيات السرد من المحيط المتمثل في قسوة الجميع حتى الأم والأخ وكأنها تفصح عن مكبوتات افعل ولا تفعل التي تمارس بحق الأنثى في مراحل تربيتها منذ الصغر، فتختزنها صوراً للألم والمعاناة والخيبات المتلاحقة، ويكون الموت الغامض هروباً للأمام.

نفس ثيمة الهروب سنجده في قصة «ولادة حياة» من مخطوطة «وجوه أخرى للموت» من البداية يطرح النص الإشكاليات الحياتية حتى وإن صغرت ويضع الحل في الهرب إلى الموت، وتصور القصة أن الحياة بكل تفاصيلها مفضية إلى الموت، وتقنية الهروب إلى الأمام من خلال الموت تحاول أن تؤكد بها الكاتبة غلاظة هذا العالم وقسوته على شخصياتها المسحوقة أصلاً والمهمشة بفعل كل آليات الحراك اليومي المعيش، فنظرة الأهل والناس والجيران إلى الأنثى.. وشظف اليومي والاجتماعي هو أيضاً لا يضع خياراً لتحسين الحالة معنوياً أو مادياً، وكذلك التواتر الثقافي والقابعة فيه هذه النظرة للأنثى.

ولتمعن النظر في قصة «يقظة أنثى» والتي تشي برمزية عالية عن مدى المعاملة القاسية التي لاقتها الشخصية في طفولتها من أمها رغم أنها لم تسرد كثيراً، وبالتالي فإنها في حاضرها مع تذكر هذه الآلام والتي أثرت في شخصيتها حيث تقول «الأصوات القديمة تعود للطرق في رأسها بآلاف الأشكال».

إلى أن تقول:

«صوت عصا والدتها وهي تضرب الجدار»

ويبدو أن نفس الأم المريضة الآن في محك النتائج هي مريضة بوهن على السرير.. تقدم لها الماء «تدخل لغرفة والدتها، تقترب من السرير، تقدم كوب الماء». ولكن الدرس النهائي يبدو في الختام، الرد النفسي للشخصية هو تخيلها انعدام هذه الأم في حضورها الباهت، وكأن النص يضع زمنين متقابلين وشخصيتين متقابلتين.

الزمنان يتشابهان في الآلام ولكن لكل زمن شخصيته التي تعاني.

والشخصيتان البنت: الأم ووضعهما في التقابل أو التضاد ليس إلا كشفاً عن معاناة الأنثى سوى الظالمة لأن آليات المجتمع تدفعها لاقتراف الظلم على ابنتها.. أو البنت التي عانت بقسوة أمها في الصغر، والآن هي تعاني ذيول أم أيضاً.

هذه الشخصية النسائية المأزومة ستقابلنا في معظم نصوص «المخطوطتين».

وفي قصة «لا شيء» من مخطوطة «كل الأمور من حولي تبعث على الموت» سنرى هذه المقابلة بين الشخصية الأنثوية المسحوقة ومفردات الأسرة كتعبير عن ثقافة المجتمع في مواجهة المرأة وآليات التربية التي تمارس عليها كونها أنثى.

تقول القصة «لقد بكت كثيراً على هذه الأم رغم الطفولة القاسية التي عاشتها على يد أخوتها وأمها».

والمقابلة هنا بين المرأة الأنثى والأم هي التي تكشف عن آليات القمع ضد المرأة والتي تمارس من المرأة على المرأة بحكم الثقافة المجتمعية وبحكم آليات ضاغطة تجعل من الأم أداة قمع حتى ولو على بنتها، والمقابلة الأخرى المرأة ـــ الإخوة ... والإخوة هنا ذكور وهذه إحدى أهم إشكاليات المجتمع المسرود عنه، حيث المجتمع الذكوري ينصب الرجل جلاداً ومهيمناً ومسيطراً معنوياً ومادياً على الأنثى في مواجهة الرجل: الأنثى.

وهذه القسوة الراشحة في التعامل لا يشفع لها صلات ووشائح القربى أم/بنت.. أخ/ أخت.

المهم الحاكم في تلك العلاقة هو ذكر/ أنثى، والذكر له حظ التسلط والقهر والإكراه للأنثى، هذه النظرة من مفردات المجتمع متمثلة داخل الأسرة في المجتمع الضيق الذي تربط وشائج المعترض أنها تشفع للتفهم والتردد والتعرف كل منهما للآخر، فما بالك إن اتسعت هذه النظرة خارج هذا المحيط الضيق لتكشف عن اعتوار المرأة في نظرة المجتمع ككل فقط لأنها أنثى، ففي قصة «وجه أرملة فاتنة» سنرى نظرة الجميع ترميها بفعل مباشرة الجنس مع آخر فقط لكونها أنثى بدون رجل.

الشخصية الساردة اتهمت بنظرة من نافذتها تجمع ظلين متعانقين كل ليلة، فانتشر الخبر في المجتمع المحيط، وتكون المفاجأة هي رحيل هذه الأرملة الشابة بعيداً عن هذا المجتمع الطارد للأنثى، وبقاء الجسدين المتعانقين كل ليلة.

«جارتنا ذات الوجه الفاتن تجرجر طفلتيها، وفي يدها حقيبة سوداء كبيرة، وتوقف سيارة أجرة، تستقلها، وهي تطلق سباباً عالياً. تركت رأسي على المقعد، وارتشفت القهوة في عصبية، وبطرف عيني لمحت ظل الجسدين المتعانقين».


3 ـــ الموت: سؤال المصير

الموت لدى فكر القصة في مخطوطتي فاطمة المزروعي.

«وجوه أخرى للموت»

«وكل الأمور من حولي تبعث على الموت»

يشكل سؤالاً حيوياً إنه سؤال المصير ليس بمعناه الفلسفي والوجودي، ولكنه بمعنى آخر خلفته النصوص لشخصياتها كواحة أمان من حياة تعيسة ليس بمقدراتها العادية وآلياتها الاقتصادية فحسب، ولكن بمكنون توابع الاجتماعي النشط سلباً تجاه الأنثى التي تعاني منذ الميلاد وكأنها تحمل تراكم هذا الإرث من الأسى والمعتقدات الحادة تجاهها والتي للآن رغم التطور ما زالت تعاني من آثار هذا التراكم، وبالتالي يأتي الموت تحايداً مفضياً للإجابة عن سؤال الأنثى، ثم ماذا؟ فيكون هروب النص بها إلى فكرة الموت تطهيراً من هذه النظرة أو فراراً من الواقع المضروب بقسوة حولها، ففي قصة «حالات مرضية» من مخطوطة «وجوه أخرى للموت» يبرز الموت كحالة فرار ليس للشخصية الأنثوية المعتورة، ولكن لتخليص الآخرين من سحق الواقع، أو كأنه البحث عن الموت لتحديد مصير جديد لكل الشخصيات في المجتمع المعيش بما فيها بطلة النص.

«لا تنسي أن تضعي السكين تحت المخدة قبل أن تنامي»

«إنه الخوف كالرغبة في القتل، والرغبة في الانتحار، أو الهرب..».

هذا الخوف من الموت بواسطة آخر، تتخيله الشخصية الأنثوية بأنه يلاحقها، جعلها تقتل أفراد أسرتها كجواب عن سؤال المصير لها ولأسرتها.

وسنرى هذا القرار بالموت، ولكن بواسطة المرض الذي يأتي اختياراً خارج الإرادة، وكأن النص يمنحنا إجابة أخرى أن الموت أساساً لا خيار لنا فيه حتى وإن اخترناه نحن إجابة عن سؤال المصير، فهذه الشخصية النسائية المريضة في نهاية رحلتها المتخيلة تظهر ألمها ومرضها تطهراً من الحياة، وتغادر إلى الأبد.

«أترك جسدي على السرير»، يعاودني الألم، الدماء من حولي تتشكل بكل التشكلات التي رأيتها منذ زمن مضى، بدءًا من الطفولة إلى الشباب، فزواجي، ثم أحلامي معه..

أحتضن صورة زفافنا إلى صدري، التفت إليه فألمح نظرته الحانية التي سرعان ما اختفت كالبرق. وأغمض عيني هذه المرة في ارتياح».

وقبل أن تغادرنا تضعنا في صورة المقابلة بين الزفاف والموت، هذه الالتقاطة المكتنزة بالتضاد بين الإقبال والإدبار، بين الآتي القادم والفاني القادم أيضاً.. بين البناء والهدم، هي بوضوح تفتح دروب سؤال المصير. ولكن اللافت هو استخدام هذه التقنية وربطها بمصير الشخصية النسوية فقط، وهذا هو المهم الراشح من نصوص تبحث عن فض إشكالية الحيرة والقمع في تعامل المجتمع مع الأنثى كواقع ثقافي واجتماعي تؤكده شواهد النصوص القصصية، إما مباشرة أو تلميحاً أو ترميزاً. لفضح هذه الاعتوارات المجتمعية في نظرتها للمرأة.


4 ـــ الموت كاشتهاء نهائي

إذا كان الموت ميتافيزيقياً حالة غير مطلوبة للإنسان، وأنه دوماً يتمسك بتلابيب الحياة في مواجهة هذا الموت، إلا إذا كانت الشخصية غير سوية، أو تعاني من إشكاليات حياتية تدفعها للتخلص من الحياة والبحث عن الموت.. وفي نصوص فاطمة المزروعي، وكما أوضحنا أن الموت يظهر كسبب باحث عن الحياة، لأن شخصياتها المنهزمة أو المقهورة، وهي في معظمها شخصيات أنثوية سنجد أن فكرة اختيار الموت تأتي أحياناً على خيار الاشتهاء تعبيراً عن شدة سوء الواقع أو حالة الشخصية المتردية في انسحاقها وآلامها، ففي قصة «لا شيء» من مخطوطة «كل الأمور من حولي تبعث على الموت» سنرى نموذجاً لتلك المرأة، وفي المقابل الرجل ينتظر ذبولها واشتهاء لحظة وجودها في الحياة وخياله الذي يتمنى الموت لها من خلال مسروده عن القطة المقتولة.. وتطواف الذكريات البائسة مثل لحظة الزواج.

بينما البطلة الأنثى في «قصة قلب دافئ مثل قلبي» من نفس المخطوطة سنجد المرأة تمارس لعبة انتظار الموت لها ولخادمتها ولمظاهر الحياة حولها، بل وتفتح أقنية توسع بها مدارك الإحساس بهذا الموت المشتهى كرد طبيعي على كل الضغوطات والإكراهات، «الوقت يقترب بسرعة، والساعات الأخيرة تعلن عن بداية ظهورها تدريجياً، كم تبقى لي، ثمان وأربعون دقيقة/021 ثانية/ يومان فقط، وحياتي تنتهي، هل سوف تنتهي بهذه البساطة؟ إني لم أعد كفني بعد، هل أجعلها جنازة يتحدث عنها الجميع وتكتب عنها الصحافة ويسجلها التلفزيون...إلخ».

بينما في قصة (.......) من مجموعة وجوه أخرى للموت الشخصية البطلة تتخيل مشهد النهاية «الآن إنهم قد جاؤوا ليقتلوه.. سوف يشهد جنازته، كالحلم تماماً..».

إلى أن يقول:

«وسقطت الحقيبة، تناثرت أوراقه على الطريق وعليها بقع الدماء...».

هذا الاشتهاء للموت هو أيضاً نوع من البحث عن الخلاص من أزمة الشخصية وواقعها القاسي.


5 ـــ الموت: البوح المؤجل

الموت لحظة المفارقة ولحظة الوداع سواء كان في القصة حقيقياً هروباً إلى عالم ما بعد الحياة أو لحظة تمنٍّ هروباً وفراراً إلى خيال للولوج إلى عملية انزياحية تفتح مسارب للهدأة أوالراحة للشخصية الساردة من بعض همومها وأحزانها وآلامها وأوجاعها المتعددة أسبابها، ولذلك يبقى الموت كظاهرة غنية وثرية بالدلالات في قصص فاطمة المزروعي، وأحياناً تتخذه مفتاحاً للبوح تنفيساً عن احتقاناتها أو كشفاً لأسرار الألم وأسباب التهميش «في النص السابق (......) سنرى الشخصية المغدورة وهي تكشف بالموت سر حركته الغامضة في نظر الآخرين طوال حياتها حيث أجّل كشف سره إلى لحظته الأخيرة، وكأن الموت هو بوح مؤجل لاعتوارات هذه الشخصية.

«رفع رأسه بوهن، كان يرى الرجال السود، وهم يجمعون الأوراق ويأخذونها في سرعة..

وضحك في وهن..

لقد اكتشف سره..»

بينما في قصة «فقاعة» تكشف الشخصية بهذيانها المتواتر رؤيتها للحياة وللناس وللعائلة التي تتذمر منهم لسوء معاملتهم لها على الصعيد العملي، وفي لا عدالة التشارك في تعاطي اليومي والمعيش داخل جدران المنزل في غير صالح تلك الشخصية المأزومة والتي تفتح لحظة أزمتها منذ صرخة ميلادها إلى تذمرها عند الموت والكراهية التي ستلاقيها بدفنها مع من لا تحب.

«في آخر الأمر تستسلم لهم وهم يأخذون جسدك إلى التراب، لتدفن ساعتها بجوار من أحبوك ومن لم يحبوك».

هذا البوح المكتنز إلى اللحظة الأخيرة لحظة الوداع الأخير والمحمل بكراهية الدفن مع آخرين كانوا يشكلون سبباً للقهر وآلية للقمع.

وفي قصة «وقف أمام قبرها» من مخطوطة «كل الأمور من حولي تبعث على الموت».

سنرى الشخصية البطلة رجلاً فقد زوجته وما بين الحلم والصحو والخيال والحقيقة تنتهي القصة ببلورة وتكثيف كل البوح الذي اعتمل في باطن الشخصية وحاول السارد كشفه طوال النص.

«وتطلع لحظة إلى القبر، ورأى زهوره الحمراء وقد بللها المطر والطين.. خيل أنه يراها.. أسفل القبر..

وقد بلل المطر والطين وجهها

وكانت تمد يديها إليه..

ولم يحتمل..

أسرع بالفرار..

هذا التناقض ما بين المسرود وما بين النهاية التي تشي بأنه يكاد يرى من يحب الزوجة المفقودة أو المتوخاة، ولكنه ينهض مسرعاً بالابتعاد فراراً.

وفي قصة «قلب دافئ مثل قلبي» من نفس المخطوطة سنرى الموت لحظة بوح بمكنون آخر من مكنونات الشخصية النسوية البطلة إذ اتخذت منه وسيلة لكشف حرمانها الجنسي وشبقها المفقود.

«لم يحتمل جسده المسكين يومان ثم لفظ أنفاسه بين صدري وألقمه ثديي وأشعر بلذة غريبة وشفتيه تتعلقان بحلمتي...إلخ» وفي قصة «دوائر عشق» سنرى هذا البوح المؤجل والمكتنز حتى لحظة الموت.

«أحتضن صورة زفافنا إلى صدري، ألتفت إليه فألمح نظرته الحانية التي سرعان ما اختفت كالبرق.. وأغمض عيني هذه المرة في ارتياح».

الموت معنوياً لانتهاء الحنان المفقود من خلال تذكر اللحظة المفقودة في حياة هذه الشخصية الأنثوية التي تعاني المرض وتيبس الحياة ولكن عند الفراق تأتي لحظة الأمل البهية والمفتقدة.

هذه النظرة للموت في تجربة المزروعي مليئة باكتنازات كثيرة من الواجب البحث فيها باتجاه تعالقات أخرى ترشح من قيمة الموت كفكرة أو حالة ومن سيميائية تنبني على موضوعة الموت من إجمالي خبرة النص بها والفكر المبني عليه تجاهه في النص.

ولكن تظل مفردة الموت في شكلها العام في نصوص المخطوطتين «كل الأمور من حولي تبعث على الموت» و«وجوه أخرى للموت» متعلقة بآليات البحث في أجواء النصوص الحزينة والباحثة في سمت الألم والمرض ومحاولة الهرب إلى الموت تشكل ظاهرة في المخطوطتين كرد فعل طبيعي وموازٍ لظروف السحق والقهر والملل التي تفضي بالشخصيات البطلة النسوية خصوصاً إلى التوسل بالموت هرباً من الواقع وملاذاً لحالة التهميش وفضاً لآلية المجتمع القاسي في مجمل شرائحه تجاه المرأة فقط كونها امرأة وقد عنيت المجموعة بفضح العلائق الأسرية بين مفردات المجتمع الضيق «وحدة الأسرة» وانتهاء بالمجتمع الأوسع المحيط.

ملاحظة أخيرة


كشف الخطاب الفكري المضموني عن كثير من القضايا الجديدة بتدقيق النظر والبحث وفيها فهي طرحت جملة القضايا منها:

1 ــ قصة الأنثى/الرجل في عالم متغير، ولكنه ما زال يدين لقيم خاصة تجاه الأنثى واستمراراً لما طرحته في مخطوطتها «شظايا» ومجموعتها «ليلة العيد».

2 ــ قضايا التهميش للإنسان بعمومية وقتله مادياً ومعنوياً وفرض ضغوط نفسية ومادية عليه تحيله إنساناً مسيئاً ومهمشاً ودونياً.

3 ــ أنسنة الأشياء في محاولتها البحث في إنسانية الإنسان نفسه من خلال عقد مقارنات ومقاربات في ذات السياق لإيراد مدى الدونية والحقارة التي باتت تلحق بإنسان هذا الزمان، ومن ثم دفعه للتجاوب نحو التغيير وما توسلها بالموت إلا تمرداً على الحالة المجتمعية التي تعرض أقانيم القهر والقمع والتغريب لبعض الشرائح فيه.


المراجع :

1 ـــ صورة المرأة في القصة النسوية الإماراتية ــ عبدالفتاح صبري ــ اتحاد كتاب وأدباء الإمارات 5002.

2 ـــ القصة القصيرة في الإمارات والأصوات الجديدة ــ وقائع ندوة دائرة الثقافة والإعلام 6002.

3 ـــ أنثى الكلام ـــ دراسات في القصة النسوية الإماراتية القصيرة ـــ أحمد حسين حميدان ــ دائرة الثقافة والإعلام 4002 ـ

(1) «الرحيل»، شيخة الناخي، اتحاد كتاب وأدباء الإمارات.

(2) «هاجر»، سلمى مطر سيف، 19، دار الكلمة للنشر.

(3) «عشبة»، سلمى مطر سيف، 88، اتحاد كتاب وأدباء الإمارات.

(4) «فيروز»، و«ماء»، مريم جمعة فرج، 88، دار الكلمة للنشر.

(5) «مواء امرأة» 4002، دائرة الثقافة والإعلام.

(6) «ما بعد الطوفان»، 4002، دائرة الثقافة والإعلام، «أوراق امرأة»، مخطوطة.

(7) «غشاوة 2002»، دار الصدى.

(8) «ليلة العيد 4002»، دائرة الثقافة والإعلام.

(9) «الرحلة رقم 8»، 4002، دائرة الثقافة والإعلام.

 





 
الأسم: نادية كيلانى
التعليق:

جهدجميل تستحق عليها الشكر الاستاذ عبد الفتاح صبرى نرجو أن تواصل المسيرة بنفس النفس تحياتى


 

أرسل تعليقك

 

الأسم:
البريد الإلكتروني:
التعليق: