|
من تداعيات الحداثة الروائية العربية : رواية (وليمة لأعشاب البحر) وتصور الواقع
إن الكتابة الروائية هي كتابة إشكالية ، على اعتبار أن الجنس الروائي هو أقدر الأجناس الأدبية وأكثرها إمكانية على الانفتاح والتطور القائم " .على استيعاب الأسئلة والقضايا والتحولات الملازمة لرحلة الإنسان ")1( ، إضافة إلى كون النص الروائي عموما يشكل بنية شديدة التعقيد والتشعب ، ونظرا لخصوصية النص الروائي العربي الحديث المنفتح على أشكال التجريب الأصلية أو المستوردة ، ونظرا لصعوبة الإلمام بكل ما تحفل به رواية " وليمة لأعشاب البحر " للروائي السوري حيدر حيدر )2( من تجليات الحداثة الروائية لغناها وكثافة تعددها المعرفي والفني ،إذ أن النص الروائي الذي يحمل في طياته هذه الدلالات والعلامات المتعددة والمنفتحة يتيح لنا أن نقرأه أكثر من قراءة ، فكل هذه العوامل ستحصر بحثنا في مقاربة بعض تجليات الحداثة الروائية التي نراها علامات فارقة في هذا النص الروائي الحديث.
"وليمة لأعشاب البحر "وتصور الواقع :
من اللازم التفريق بين الواقع المادي بما يتميز به من: موضوعية هذه الأرض" ، أي واقع الموجودات الطبيعية والاجتماعية ، وبين الواقع الروائي ، بم يعنيه ذلك العالم الذي يعمل الروائي على بنائه في نصه الروائي "إنه ذلك المتخيل بفضائه وبشره وعلاقاته "
وموضوع تصور الواقع في " وليمة لأعشاب البحر" يبدو متمنعا عن التحديد والتسييج لانفتاحه ، واعتماده على التداخل الخطابي ، وارتكازه على التعدد في التقنيات السردية والكثافة الدلالية في جميع مستوياته بما هي تعدد رؤيوي ، غير أن الخطاب الروائي في هذه الرواية يمكن تأطيره في ثلاثة مستويات متداخلة ، هي :
مستوى الواقع المعيش : وفي هذا المنحى تستعرض الرواية بشكل جدي وعميق حاضر الجزائر في العقدين السالفين ، بحكم أن كتابتها تمت بين1974 و1983، أي أن الرواية ترصد واقع الجزائر زمن الاستقلال الذي يستدعي بالضرورة زمن الاستعمار ويسائله . ويبدو أن الدلالة في كشف الواقع المعيش في الجزائر، راهنا، لا تتأتى إلا من خلال التركيز على شخصيات مثل مهدي جواد ،و مهيار الباهلي ، المدرسين العراقيين في مدينة بونه/عنابة ، وهما الناجيان الهاربان على ما تقول اللوائح الشخصية والمسافة النائية عن البلد الذي وقع تحت وطأة الزمن العسكري )ص23( ، وتشكل بونه فضاء الواقع المعيش المدينة الجميلة، المطوقة بالبحر و الغابات ، لكنها كأي مدينة عربية كانت متوحشة ، محكومة بالإرهاب والجوع والسمسرة والدين والحقد والجهل والقسوة والقتل)ص11(، وهي المدينة المناضلة ضد المستعمر الفرنسي سابقا ، لكنها الآن تعيش عهد "الثورة الاشتراكية" في ظل حكم بوخروبة/ الرئيس بومدين.في هذه المدينة يقيم مهدي جواد في غرفة وسط المدينة، كانت شبه عارية احتوت سريرا قديما وخزانة حائط وكرسيين من خشب وطاولة)ص16(، بعد أن "أمضى أكثر من شهرين في فنادق الدرجة الرابعة"، التي غادرها إلى غرفته الجديدة التي اكتراها من رجل الدين الحاج محمد. وأمام ثانوية القديس أوغسطين يتعرف مهدي جواد ، مدرس اللغة العربية على إحدى التلميذات هي آسيا الأخضر ، بنت الشهيد سي العربي ، التي تجذبه فيلتقيان في شكل درس خصوصي قصد تعليمها اللغة العربية في بيت أسرتها المكونة من أمها للا فضيلة ،أختها منار وزوج أمها يزيد ولد الحاج . ويعيش مهدي جواد مع هذه الأسرة جميع لاوضاعها وتمزقاتها المتمثلة في اغتيال الشهيد سي العربي ، ماضيا وحاضرا، فقد كان اغتياله على يد المستعمرين والخونة من الجزائريين في ظروف غامضة في الماضي ، وهو الآن يغتال عبر ممارسات زوج للا فضيلة ، الغليظ الطبع ، المتسلط على الأسرة وليس فقط على الام ، إن متاعبه التجارية كثيرة ومشاكله في بيته ومع زوجته الأخرى تجعله يختلق معارك وشجارات لا تنتهي )ص64( ، وهو يلعن باستمرار اشتراكية بوخروبة الداعية إلى تأميم الممتلكات ورؤوس الأموال ، لأنه يرى في هذه الحركة تهديدا لمركزه ومصالحة الاقتصادية التي جمعها من السوق السوداء إبان الحرب.أما مهيار الباهلي ، فيعمل مدرسا للإيديولوجيا والفلسفة ، ويقيم في نفس المدينة بشقة فلة بوعناب ، التي عاشت حياة مثيرة وغنية خلال الحرب، وهي تمثل نموذج المرأة العربية المناضلة والثائرة على مختلف الأعراف والمواضعات الاجتماعية ، وفي بونه يلتقي بصديقه القديم مهدي جواد.
مستوى المتذكر ، وفيه تسترجع شخصيات الرواية أحداثا ماضية في الجزائر من خلال تذكر حياة الشهيد سي العربي ورفاقه ، ظروف وحيثيات الكفاح ضد المستعمر الفرنسي ، الصراع على السلطة بعد الاستقلال والإلمام ببنية التحولات العميقة التي أعقبت عهد الاستقلال. وتستعيد الرواية فترة المخاض السياسي والاجتماعي في العراق عبر تذكر أزمة الحزب الشيوعي العراقي ، والمعارضة الشديدة للنظام العراقي الجائر ، والتصدعات والانشطارات الحزبية والسياسية ، وحرب العصابات في منطقة الأهوار ، والتحولات الجوهرية في البنية الاجتماعية العراقية غداة تشكل البنية السياسية الجديدة في العراق ، ومن هنا يبدو الحكي في الرواية سردا " للذكرى بعد طول ابتعاد] ..ذكرى[سريان الماضي عبر الحاضر المحايث"، وعلى هذا الأساس نلاحظ أن الواقع الموضوعي ، الذي ينطلق منه الواقع الروائي ليعود فيخاطبه ، هو ، هنا، جزائر مابعد الاستقلال وعراق الفترة الموازية ، ومن هذه الزاوية يظهر اتساع الفضاء الروائي في الرواية الممتد "..من أقصى الوطن العربي إلي أقصاه)من المحيط إلى الخليج( )3(
مستوى المتخيل ، ويرتبط بالواقع الروائي ، الذي يعمل على بنائه من خلال سرده للحياة العادية في بونه ، يلتقي كل من مهدي جواد ومهيار الباهلي، الأول بتلميذته آسيا ، والثاني بامرأته فلة ، إضافة إلى علاقاتهما بالشارع والناس الذين يظهرون عداوة بادية لهذين المشرقيين ، اللذين يصحبان معهما بنات الجزائريين جهارا نهارا ، ضاربين عرض الحائط كل التابوهات السياسية والدينية والجنسية، وتمضي الرواية راصدة علاقة مهدي بآسيا في مختلف أطوارها وانكساراتها.وإذا كان الواقع أغنى من الخيال ، حسب القول الشائع، فإن هذه الرواية لا تعكس هذه المعادلة ، لان تداخل المستويات فيها هو الأجدر والأقدر على منح ذلك الإدراك الشامل للواقع بهدف التعبير عن المواقف الجديدة والوضعيات المستجدة في عالم الشخوص ، وهي أيضا أي المستويات تشكل أطرا وأبنية تعبيرية أكثر شفافية وصدقا من الواقع المزيف. ولكي تكون مقاربتنا ذات جدوى في ما يتعلق بتصور الواقع في هذا المتن الروائي ، سنعمل على ربطه ببعض مكوناته الفنية حتى تتضح ، بجلاء، ملامحه الحداثية.
* البنية الشخوصية في " وليمة لأعشاب البحر":
إن الوليمة عرضت بنية شخوصية تمركزت حول مهدي جواد ،مهيار الباهلي ، فلة بوعناب وآسيا الأخضر ، وهؤلاء الشخوص شغلوا مسحة الرواية الأساسية ومسرح أحداثها ، غير أن الطابع الحداثي في "الوليمة" تجاوز مفهوم الشخصية النمطية الجاهزة والمحددة سلفا ، ليقدم شخوصا ذوي طبيعة زئبقية لا نستطيع معها تحديد طبائعها المسيجة لفعالها وتفاعلاتها مع الأحداث ، فلننظر – مثلا – إلى شخصية فلة بوعناب ، الموسومة بالتعدد إلى درجة تصل حد الالتباس ،الذي ينفي عنها أن تكون امرأة عادية ، فهي " مزيج مستهترة مع مناضلة خائبة .امرأة حرة)ص30( .لقد عاشت حياة مثيرة ، كانت متزوجة من فاسق يهوى المومسات ، بعد طلاقها سترحل إلى العاصمة/الجزائر لتعيش حياة غير سوية، عملت ساقية في حانة يرتادها الضباط الفرنسيون)ص51( ، وبعد اندلاع الثورة الجزائرية تنخرط في خلية سرية من خلايا جيش التحرير ، مما أكسبها تاريخا نضاليا عرفت خلاله عددا من القادة الثوريين ، ومن وزراء الدولة ، وتعرف أسرارا كثيرة ، واختارت أن تدفن خيبتها في الكأس والجنس)4( ، وهي فوق كل ذلك امرأة جريئة ومتحررة وصريحة ،تقول على لسانها :"أنا لست عاهرة أنا امرأة حرة")ص51( ، ستفقد الشهية والحماس للثورة لتقبل على هتك المقدسات الزائفة والتحرر من أعشاش الرقابة ، ملوحة بكل القيم العربية الموروثة . ولعل هذا التحول المستمر في شخصيتها آت من كونها لا تستطيع أن توقف اليباب والدمار ، لأنه أقوى منها ، لذلك انتهى دورها الاستثنائي ، واستدارت إلى وظيفتها الأساسية التي لم تنتج مع الثورة إلا ]نفوسا[ مسعورة بشهوة السلطة)ص104(.فهذه الشخصية كمثيلاتها في الوليمة لا تقدم ليتماهى معها القارئ ، وإنما لتثير فيه أسئلة مقلقة ، وتوقع به في موقف الشك والحيرة ، وهذا تحول حداثي سنته شخوص الرواية الحديثة في فعل القراءة. جاء التعبير عن هذه شخصية فلة بوعناب في الواقع تعبيرا عما هو هامشي وخفي ، ومن تم ستساهم البنية الشخوصية في تعرية الواقع ، الذي تكثر فيه الأقنعة التي تجعل من الشخصية عالما غامضا يتأبى عن التحديد ، ففلة " .عندما يحلو لها ، وهو يحلو لها دائما ، أن تتكلم عن الرجال والنساء يرسم مزاجها للمرأة الجزائرية وجوها ثلاثة : الوجه الأول وجه المناضلة والثاني وجه العاهرة والثالث وجه الام" )ص178( ، ولعبة الوجه والقناع هذه تبدو أيضا من خلال حوار فلة مع مهدي لما سألها عن مهيار ، فردت:ط هذا المهيار غريب يختلف عن المشارقة . قل لي هل هو مجنون ؟ يا خويا هو إما مجنون أو عبقري؟")4(، وهذه الأقنعة التي يرتديها الشخوص تمنح كثافة للواقع . ومن تجليات الحداثة في التفاعل مع الواقع أن الوليمة أكسبت شخوصها كثافة داخلية ، سواء كان الأمر يتعلق بالشخوص الفاعلين في البنية الحدثية أو أولئك المستحضرون عبر الاستشهادات و الأخبار والشهادات كبشير الحاج علي ، والأمر الذي جعل الكثافة الداخلية للشخوص بادية في الرواية هو أن الشخوص المتعددة كان لكل واحد منهم ".. جذورا وامتدادات ورواسب تمتد في التاريخ البعيد والقريب، وفي صلب المجتمع")ص99(، وهنا يمكن الحديث عما تحاول الرواية رسمه على المستوى الأفقي حين تسترجع مراحل من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي ، وفترات من تاريخ الثورة الجزائرية ، هذا إضافة إلى ابتداع تقنية اليوميات بالنسبة لمهدي جواد ، الذي هيمن على الأصوات الأخرى عبر صوت اليوميات التي تخصص لها الرواية الكثير من فقراتها ، ولعل ذلك راجع إلى كونه أي مهدي مثقفا مناضلا ، يمتلئ حتى الأذنين بالإحباط والقرف والمرارة بعد أن فشلت أحلامه الثورية التي عاشها من خلال تجربة الحزب الشيوعي العراقي ، وما هجرته إلى الجزائر إلا لينسى تجاربه الفاشلة في العراق ، لكن أرض الجزائر ، الأرض المقدسة .الأرض التي فاجأ العرب أنفسهم فيها بالثورة ستدفعه إلى أن يكتشف بأن انتقال الثورة إلى الحكم يعرضها للتآكل والترهل وجفاف الأنساغ ، لذا سيحاول فهم كل ما جدث وما الذي جعل الثورة تدخل عصر الحيض؟)ص21(. وهذه الكثافة الداخلية للشخصية تزداد بفعل تلك اليوميات التي كان يدونها مهدي جواد، إضافة إلى تضافر مستويات المونولوج ، الحلم والهذيان، الأمر الذي يحاول معه الشخوص أ يظهروا صراعاتهم الداخلية وليس فقط صراعاتها الخارجية ، وهذه الصراعات الداخلية تكون من جهة بين ذاتيتهم وجوانبهم الموغلة في الرواسب العميقة ، ومن جهة أخرى بين ذاتيتهم وبين الواقع الخارجي كفضاء للمظاهر الخادعة . ولعل هذا يمنح الشخوص التباسهم وغموضهم بهدف تدمير ايكولوجية الواقع الخارجي ، وإعطاء الفردية الإنسانية قيمتها الإيجابية بفضح أقنعتها المزيفة التي تخفي جوهرها العميق :" زمن الاستبداد والجوع والإبادة الجماعية لشعوب قهرت واستذلت ثم ما لبثت أن دفنت تحت السطوة الوحشية للخلفاء والأمراء الخلعاء، والجنرالات الدمى والأحزاب المستذلة الراكعة")ص21(.واتجاه الرواية للتعبير عن كثافة الشخوص الداخلية في عمقه رفض لعالم موسوم بالتشيء في كل قيمه ، ومستلب في مظاهر حياته التي تكون مدعاة لقبول كل ما هو ظرفي وتبسيطي عوض ارتكازه على قيم " جديدة يقاوم بها خواء العالم ويثير أسئلة يسعى رماد الأفق الاستهلاكي إلى أن يغطيها أو يبقيها مدثرة بأغشية المحافظة والاعتياد" )5( ونسوق المقطع التالي كتمثيل عن الكثافة الداخلية للشخصية في الرواية ، على لسان مهدي جواد مما خطه في يومياته :" في المنفى المرأة وحدها العزاء ، مخدر ناعم يشف كالطيف في أمسيات الحزن وافتقاد البيت ... لماذا تعيش مثلهم في الماضي ، وتتوهمك الأب وأنت ضيعت آباءك وهي تلوذ بك وأنت الباحث عن ظل يقيك الهجير .هي التي تتوهم أنك تعرف الطريق إلى البيت وأنك حي وأنت تعرف من خلال النبض الداخلي أنك لست بالحي ولا تستطيع أن تصل .." )ص98( ، فالتركيز على هذه الكثافة الداخلية للشخوص يمكن فهمه كتجل حداثي يهدف إلى ضرب ذلك الحصر للشخصية في جانب من جوانبها الذي يبدو في الخطاب الروائي العربي الكلاسيكي ، فالوليمة إذا تتعدد فيها جوانب الشخوص وتتناسل ، لذلك تظهر هذه الخيرة بوجه مختلفة ، مستجيبة لمفهوم الإنسان المعقد المشارب والنوازع التي لم يستطع حتى علم النفس ضبطها في بعض الحالات ن ومن تم ، فالوليمة تزخر بتعددية في شخوصها تمكنها من التعبير عن ذواتهم بأكبر عدد من الإمكانات المتاحة ، وحتى ينتجون رؤاهم عن العالم عبر جوانبهم الجوانية ، فإنها تلجأ إلى تقنيات سردية مثل الحلم الذي يتيح للشخصية أن تنزاح عن واقعها ، إنها في أحايين كثيرة تبدأ بالحلم ثم تنزل إلى الواقع ، و"ممارسة الحلم في الواقع تدمر هذا الواقع ، وتكشف شدة تعقيده ، هذا علاوة على تقنيات المونولوج والهذيان والذاكرة المبثوثة على طول مقاطع الرواية ، والمشتغلة لتعويض ذلك التواصل المقطوع بين الفرد/الإنسان و الواقع/المجتمع الذي لا " أحد يعرف متى تنتهي سنوات المحنة وسنوات القتل وسنوات تدمير العقل ")ص239(.
إن حال الشخوص في الوليمة تنعكس على عناصر فنية أخرى ، كالمكان الذي غدا غير قابل للتسييج ، غير ثابت على حالة واحدة ، ومن تم التباسه ، فلننظر كيف تصيح آسيا الأخضر،امرأة الجنون والنيران والطفولة والموسيقى والأمومة والمنفى بالنسبة لمهدي جواد، مكانا متمنعا عن التحديد :"..الأرض الراكضة والهاربة أبدا تحت جلده وفي وديان روحه")ص247(. وقد تتعرض الشخوص للمسخ ، لترتبط بما هو غرائبي وعجائبي ، وهذا المسخ لا يسعى من خلاله الروائي إلى وصف الخارق فقط ، بل عن الشخصية نفسها تغدو غرائبية بناء على كثافتها وتعدديتها وانفتاحها على الانطباعات اللامتوقعة ، وهذا ما نلمسه من خلال ما يسوقه مهدي جواد في كلامه عن آسيا الأخضر :" دائما كانت تظهر في الليالي وتحت أشعة القمر .نصفها إنسان ونصفها الآخر وعل تجري فيجري معها أو خلفها في براري الرب الشاسعة والخالية من البشر. وحشان غير أليفين ، أليفين للغابة وشواطئ البحر")ص247(.
*الفضاء الزمكاني في "وليمة لأعشاب البحر":
يبدو المكان كمكون من مكونات الخطاب الروائي الحديث ، إنه يظفر بدينامية في السرد ، هي التي تؤسسه وتساهم في صيرورته كمحطات متتالية داخل فضاء المكان الذي لا ينفك عن التنوع والتغير ، وعلى أساس ذلك ، فكل تغيير يلحق بنية المكان يستوجب تغييرا في باقي المكونات السردية.
عندما يطلعنا السارد في الوليمة على فضاء بونه ، المدينة المطوقة بالبحر والغابات ، تبعا لانطباعاته عنها لحظة قدومه إليها ، فهي لا تستقر على هيأتها ، فتتحول إلى هذه البارات والأفبية التي كانت فيما مضى أوكارا سرية للمناضلين ومخازن للأسلحة)ص55(، فبونه ليست مجرد بلدة ترد في السرد عبثا ، بل هي طاقة غنية تمد الذات –الساردة في الحكي بعناصر أساسية ، تمكنها من بناء عالم الواقع الرمزي ، الذي يتحرر باستمرار في الزمن الحاضر والماضي وبناء عليه ، أمكن القول إن مكون المكان في الوليمة يثري بناء الواقع الذي يطمح إليه الروائي ، ومن هذا المنطلق ستركز الرواية على فضاء المكنة المتنوع والمنفتح كبؤرة تتجمع فيها كل الرموز والشخوص والعلامات ، فلا غرابة أن ترد أسماء متنوعة ومتعددة للأمكنة: بونه ، البحر، الغابات ، الجزائر ، لندن ، البصرة ، الأهوار..، التي تفسر رغبة الشخوص في السفر إلى عوالم هذه الأمكنة ، والتنقل عبر المكان يفسح المجال للبحث عن لحرية التي تصطدم بالذاكرة المستلهمة لفضاءاتها العاملة على تأزيم مكون الزمن ، ومن تم تخلق الكتابة الروائية فوضاها داخل نسق الذاكرة ، ويصعب الإمساك بالعلائق وتلويناتها التعبيرية السابحة هي الأخرى في فوضى التعدد والتداخل ، فمهدي جواد يحاول تحديد علاقاته مع الامكنة والناس والأشياء انطلاقا من حالة شعورية ،أي من تبئير داخلي، فتتلون المكنة بمشاعره ورؤيته وتذكراته وأحلامه ، ففي بونه يحس بالغربة لذلك "كل شيء ظهر غريبا ، غامضا وساحرا المنازل البيضاء وسطوح القرميد...تلك الوجوه الشديدة السمرة ، الشاحبة")ص15(، لكن عندما يلتقي بآسيا في خلوات البحر والغاب أو في غرفته تلتبس اللغة بتعدد معانيها ، ويتداخل الحلمي بالشعري ، الواقعي بالمتخيل ،الروائي بالتاريخي، الرمز بالأسطورة ، المشاهد بالمتذكر والخيالي بالمعيش، ومن ثم تنهض لغة المكان لتنصب نفسها على أنها القادرة على التعامل الخلاق مع الواقع المتعدد ، ويتلون الزمن بالأساطير "أو هو لبوسها اللامعقول في لحظة انفجارات الفضاء بالأقمار والمحطات الكونية")ص234(، وبذلك يأخذ الواقع العربي في الوليمة وضعية جديدة " كأننا انقلبنا انقلاب السلاحف على ظهورها أقدام مشرعة في الهواء فقدت صلابة الأرض ، وعيون ضارعة نحو سماوات فارغة ، وصدور عارية للرياح بلا أمل ")ص249(.إن فضاء المكان في الوليمة يمتاز بالتحول والتعدد الذي يطمح إلى تكثيف وتلحيم الأصوات الروائية ولغاتها وحواراتها وأوعائها التي تبدو شتاتا في الواقع ، تصل إلى حالة صراعية .من هنا نفهم لماذا حاول الشخوص التحرك في الفضاء الرحب كما هو قائم في الذاكرة والمخيلة والأمكنة والتواريخ ، ويشيدوا عبر الأصوات الروائية واللغات السردية المتقاطعة والمواقع السردية المتباينة عوالمهم المحتملة.
ويتعالق المكان بالزمان في الوليمة ليشكلا استمرارية الحكي عبر تقنية الاسترجاع ، وهو ما يعن لنا في قول السارد :" ..ففي المساءات وبونه المنفى والظلال تنوخ كالصخرة فوق الظهر المنكسر ، ستأتي الأطياف عبرت نموجات الذكرى وطيور الحنين لتقف فوق صخرة مهيار ناعبة بصوت بومي أصداؤه تصرع القلب " )ص217(، فالمكان يتلون بالظلال النفسية للشخوص ، لذلك يمكن القول إن المكان النفسي هو المؤطر للأحداث في نفس السارد وفي نفوس الشخوص البانية للحدث أو المشاركة في سيرورة و صيرورة الحكي ، ونتيجة لذلك يحصل التقاطع والتداخل لزماني ، مما يمنح انفتاحا وعنى على مستوى تصور الواقع المتعددة جوانبه ، هذا التعدد لا يتأسس على معطيات الواقع فقط ،"..بل في أحيان كثيرة عن ذلك التجانس القلق بين عناصر لا يبدو تجاوزها آمنا أو أكيدا: الحلم والواقع ، الخبرة والذاكرة ، الحنين والتوقع ، وهذه العناصر في تلاحمها بفعل الإبداع ، لا تستسلم لوئام نهائي يجمع بينها ، بل تظل ، وهذا مبعث الحيوية فيها ربما ، قلقة متنافرة " )6( . وقد يطول هذا التقاطع في المكون المكاني ليقع بين بونه والأهوار ، بين الجزائر والعراق ، وعن طريق هذا التعالق يشتغل المحكي وتنفتح آفاقه ومساراته ، ويتجلى المنظور الجديد للمكون الزماني في الوليمة في كونه غير قابل للتحديد إلا من منظور فردي " يعبر بالفعل عما في الواقع الإنساني من ظواهر الاستلاب والاغتراب و التشيؤ " )7 (التي تصل حد القطيعة بين الفرد والمجتمع ، هذا التحديد الفردي استحال معه الفرد كائنا يملك وعيا ذاتيا ، وهو ما بظهر جليا من خلال تدوين مهدي جواد ليومياته ، إذ " من الضروري أن] نقول[ بأن الخاصية " اليومية" لليوميات تستمد من طبيعة الأحداث المسجلة وليس من حدث تسجيلها ذاته" )8( ، وهي بالتالي تبرر تأثيرها السيكولوجي ، الذي يكشف جوهر نواقص الإنسان ،أو جوهر صراعاته ، أو جوهر حركة قواه الاجتماعية المختلفة ، وهذه المعطيات تتشكل بمنطق الخطاب الروائي في الوليمة ، فيصبح الزمان متعددا يتألف من أزمنة داخلية ، يقول مهدي جواد :"الزمن القديم يضعظ موجا من الأشباح ، وهذا المنفى استراحة محارب مهزوم داخله تراجع حسابات الزمن ، لكي تظل جديدا لا بد أن تشن حربك الداخلية في وجه أمواج الانهيار الانتصار على النفس القديمة مطهر نحو المستقبل ، والزمن يطحن جيلا ليرقي جيل آخر التاريخ كما لم يبدأ منك فهو لا ينتهي بك أيضا ، لعل طاقة التغيير هي هذه القدرة الداخلية على العبور فوق جسر الصدمة")ص70(.
إن الأزمنة ،إذا، متداخلة ،".. إنك تعيش لحظة معينة كأنك تعيش مجموعة من اللحظات وأن ما يجري الآن هو في الوقت ذاته الماضي والحاضر والمستقبل )9( ، فالتعبير في زمن معين عن لحظات متعددة مختلفة يطبع الرواية بالميسم الحداثي :ط وكان مهدي جواد ساقطا على غير ما تشتهي رياح سفنه ، بين أرخبيل الماضي والزمن الراهن ، بين الأرض التي تمتد تحت قدميه والأراضي الصلبة المترائية على أبواب البحر")ص88(.إن هذه الخاصية الزمنية تضرب الكثير من مواصفات السرد الكلاسيكي ، وفي صدارتها الزمن الكرونولوجي ، لأن فعل الذاكرة يخرج من الزمن الواقعي لينسج زمنه الخاص القائم على التداخل ، لذلك وجدنا مهدي جواد وشخوص آخرين يسترجعون العديد من الأزمنة ويكسرون أحادية الزمن الاجتماعي حتى يمكن للذاكرة المتمنعة عن كل تسييج والمتجهة نحو الحرية الداخلية أن تعيد بناء زمنها أو تقوم ب"إعادة صياغة وتشكيل للزمن ، ونقد له ، أو هو توليد له وفق منطق آخر")10( .
وترنو حداثة التعامل مع الواقع إلى ممارسة العنف على الزمن الواقعي الذي " ..فسد فيه كل شيء من الدم إلى الهواء المستنشق" )ص312(، لأنه في جوهره مزيف :" .. الهلع يسري حتى أبواب القلب ، الجوع والعطش ومقاصل الإعدام وقسوة الفتك الجميل من أقصى مشارق الشمس إلى مغاربها تتقدم تحت الرايات الحمراء ")11( ، ويكون النداء إلى التحرر من واقع متعفن وطحلبي ، واقع "يولد الطفل]فيه[ ثم يحبو ليخرج إلى النور فيفاجأ بجندي يحرس الأبواب ")11(.هذا الواقع، إذا، يقتضي الزعزعة والتغيير نحو الأفضل ليتحقق "أمل ملايين الشعب ..التواقة للانعتاق من عبودية واستلاب رأس المال والأحرار من الاضطهاد القومي- الفاشي لها")12( وتأسيسا على ما سبق ، يمكن القول إن الوليمة تجمع بين مكوني الزمان والمكان ليشكلا وحدة يطلق عليها في السرديان الباختينية "الكرونوتوب" ، الذي يؤثر على تفاعل المكان والزمان داخل الرواية ، متجاوزا الخطاب الروائي العربي الكلاسيكي المؤمن بالزمن المطلق والمنفصل عن المكان ،".. فالمهم في تحليل الرواية وكتابتها هو الزمان والمكان داخلها )بوصفهما عنصرين مكونين لنسيجها( ، بل الزمان والفضاء المخصصين للرواية ،أي الكرونوتوب الذي يصنع نكهتها ويحول زمنها وفضاءها إلى مجال التأمل والحلم والمقارنة ")13(.وهكذا يتضح كيف أن مكوني الزمان والمكان في الوليمة يساهمان في تشكيل وبناء رؤية جديدة للواقع ،الذي " لا يكتفي بالواقع وإنما يتجاوزه ويرى ما فوقه وما تحته ، حقائق لا تكتفي بالحقائق ، بل تحاول أبطالها البحث عن بديل لها ")14(، إذ أن السرد يتنقل بكل حرية بين فضاءات مكانية وزمانية متنوعة ومتعددة بدء من المكان الواقعي وانتهاء بالمكان النفسي ، علاوة عن كونه يعبر عن مجموعة من العوالم التاريخية والخيالية والأسطورية ، إضافة إلى أمكنة وأزمنة يمكن أن نجد لها مقابلا جغرافيا واقعيا ، وأخرى يمكن أن تتحد بالمنظورات والتصورات القابعة في الذاكرة أو قوى التخييل.
أن تعدد المستويات وتداخلها ، بما هي عناصر خطابية تمثل هذا التعقيد القائم على مستوى الواقع ستشكل أرصدة حية ودينامية تطفح بالتعدد والتداخل الزمنيين تصل إلى درجة يكاد يضيع معها مهدي جواد ، لأن " الالتباس سيتضوع أبدا في تلك الأزمنة ، فلا يعرف ماذا سيكون ، ولا ماذا يفعل في تلك المدينة ، ولماذا جاءها ، لذا سيظل واقعا في مدار ارتباك المدينة والمرأة ، داخل طيف الهجس السري ، الغامض والخارج منها")ص275.(.
السرد في " وليمة لأعشاب البحر " :
منذ البداية تكسر هذه الرواية مواصفات السرد الكلاسيكي ،إذ تبدأ بمشهد متقدم يضم مهدي جواد وآسيا الأخضر على شاطئ البحر الصخري ، وهما يستجمان في غمرة انسجامهما ويسترجعان بعض ذكرياتهما عن الماضي ، ذكريات تخص ماضيها ، الذي يقع فيه أبوها الشهيد المغتال وأطياف من علاقة سابقة لها ، وماضيه الثوري الذي تركه وراءه في العراق ، وجاء لينساه في بونه ، لكن هيهات!
ثم إن السرد يكسر البناء الهرمي ، الذي أصبح غير قادر على استيعاب حركة واقع تشابكت أحداثه ، وتداخلت أزمنته ، وألغيت داخله الحدود ، ليقدم بناء دراميا دائريا يحكم الرواية من البداية إلى النهاية.وتدمر الوليمة موقع الراوي البطل ، الذي يحكم منطق بنية القص : إن أصوات الشخوص على تنوعهم واختلافهم ، ورغم الحوار والصراع بينهم ، يظلون في هذا النمط محكومين بموقع هذا الروي البطل ، القابع خلف شخصية أو خلف قضية ، بالموقع المهيمن بنمو فعل القص ، وبه يصل السياق إلى غايته )15(، فالوليمة ،إذا، تدمر موقع السارد العالم بكل شيء ، والمستبد بأصوات الشخوص الآخرين ، وإن بدا أن الصراع في الرواية يتبلور من خلال منظور ورؤية هما وجهة نظر السارد مهدي جواد البانورامية/ الشمولية ، التي تحيط بكل شيء ، لكنه في نفس الآن يبدو أنه لا يعرف أي شيء لأن حيدر حيدر" يحاول التخفيف من أذى الظهور القوي للسارد في هذه الرواية وفي أعماله عموما" )16( . ومن ، هنا، يكون تحديد تصور للواقع لا يتأتى إلا بتقنية روائية تتمثل في وجهات نظر الشخوص المتناقضة أحيانا ، " ففي بنية التناقض تتعدد الأصوات بتعدد مواقع السرد ، الذي تمارسه شخصيات غير جاهزة ، شخصيات تتحرك بذاتها ، شخصيات لا يحكي عنها صوت واحد ")17( ، لذا نجد الشخصية أو القضية مضاءة من قبل شخصين أو أكثر ، وهكذا تتعدد المنظورات حول مسألة فساد الأوضاع والنفوس في جزائر ما بعد الاستقلال ، الأمر الذي جعل للا فضيلة لا تستسيغه ، لأن حال الناس استحالت " من حالة الحب والتضحية والتعاون إلى حالة غريبة من الحقد والكراهية والأنانية وألوهية المال")ص38( ، بينما ترى ابنتها آسيا أن العلة تعود على "أن في دمنا بلازما فاسدة وأنها مستمرة على ما يبدو وهذا هو المحزن ")ص36( ، غير أن فلة بوعناب تنطلق من منظور يرى أن الثوار " سرقوا الثورة واغتالوها")ص49(، في حين يعتقد مهيار الباهلي أن ما ينقصنا في هذا الوقت الرخو والمسيب هو إيمان وبسالة الصحابة الأوائل )ص51(.إن تعدد هذه الرؤى ، إضافة إلى الغنى المعرفي والتخييلي في الوليمة يسمحان بإقامة علاقات جديدة بين النص والواقع تتجاوز المحاكاة المرآوية للواقع ، بل وتتجاوز وهم الواقع قصد خلق التعدد الحقيقي ، الكاشف عن خداع وزيف الصور لبراقة التي تخفي جروحا ممضة " في العالم المحكوم بالطغيان وسطوة الآلهة والقتل وميراث الأجداد المنقرضين ")ص42(
إن ما يلفت النظر في تعدد وجهات النظر أن الحوار بين الشخوص الحاملين لمواقعهم المختلفة يغيب فيه السارد ، باعتباره بؤرة الحكي ، ليفسح المجال للأصوات الأخرى للتعبير عن ذواتها ، ولذلك يمكن أن ننعته بالسارد " الديمقراطي" في تحركاته وتفاعلاته ، وهذا ما يبرز ، بجلاء، عند تراجعه إلى الوراء في الحوار الدائر بينه وبين خلية متكونة من سبعة رفاق حول أزمة الحزب الشيوعي العراقي وأسبابها ، لدرجة يقول معها السارد المتخفي وراء ضمير الغائب انه خرج ::" مغبونا من الاجتماع ]لأن [ الرفيق الذي كشف عن سريرته سمى الأشياء بأسمائها وهو يضع المبضع في الجرح ، كان أكثر شجاعة منه عندما قابله المسؤول المنطقي فيما بعد ")ص 46( إن وجهات النظر المتعددة بتعدد مواقعها التي تحكم البنية السردية في الرواية تكشف رؤية جديدة للواقع المتغير والرافض " للهوية الثابتة الأنطولوجية المؤسسة لمل متوهم ]لأن التغيير[ معناه أن نعيش في قلب الصيرورة وبتفاعل مع معطيات الواقع تفاعلا تحويريا يغني الثقافة والإنسان في صراعهما مع الطبيعة والمجهول")18(، وعموما ، يمكن القول إن انشغال الوليمة بلغتها في مستوياتها التعبيرية واستراتيجيات الحكي فيها ، وقضايا السرد المرتبطة بالصوت والمنظور السردي وتعدد الشخوص وانزياح مكوني الزمان والمكان عما كانا عليهما في الخطاب الروائي العربي الكلاسيكي جعل القارئ يحس بتبدل لنغمة حينما تعاملت هذه الرواية " مع الواقع بعمق اكثر لا بصفته مادة منظورة وظاهرة ، وإنما بصفته اللسانية أيضا " )19( .
المكون اللغوي في " وليمة لأعشاب البحر":
إذا كانت اللغة "لا تتوقف عن مصاحبة الخطاب مقدمة له مرآة لبنيته الخاصة " ، فإنها ،أيضا، تصحبه في حساسيته الجديدة للعالم من حوله، لذلك كانت هناك مفارقة في توظيف المكون اللغوي بين الخطاب الروائي العربي ، بطبعتيه : الكلاسيكية والحداثية.
لقد تميزت اللغة الروائية في الرواية العربية الحديثة بالانفلات من شرنقة الانغلاق ولتقريرية وأحادية المعنى ، كما دأبت عليها الكتابة العربية الكلاسيكية، إلى الخروج نحو فضاء أرحب ومفتوح يستوعب جوهر اللغة المعبرة عن جوهر الحياة وأسئلتها عن طريق ترسيخ بعدها الإيحائي والعلاماتي، الذي يكسبها تعددا وتداخلا مع باقي المستويات التعبيرية الأخرى .
إن الوليمة تتسم بتجديد دم الكتابة الروائية عبر تقنية اللعب باللغة ، لأنها الأداة الوحيدة ا لقادرة على رسم الأجواء والأوعاء والمواقف ، وبالتالي بناء واقع روائي جديد ، وما يلاحظ في لغة هذه الرواية هو أن كاتبها يجدر مسألة تعددية الأصوات الروائية في محكيه عبر استحضار تعددية لغوية تتأسس على التعدد اللساني ، حيث تغدو الحمولة الاجتماعية محينة بين المحكي الفصيح والمحكي الدارج والمحكي العربي المتفرنس ، وهذا التقاطع اللساني يمنح للرواية ثراءها وقوتها ، ويسمح بتعميق تمظهرات الوعي عبر المقاطع الحوارية ، فضلا عن التعبير عن واقع متعدد ومعقد. ويتميز التوظيف اللغوي في الوليمة بانحراف الكلمات وانزياحها عن مستواها التقريري ، المعجمي الحرفي ذي لدلالة الأحادية عن طريق استعمالها استعمالا إيجابيا تغدو معه الكلمات علامات تحبل بدلالات متعددة ، مما يتيح لنا أن نقرأها أكثر من قراءة ، هذا علاوة عن استحضار العلاقات الجديدة بين العلامات اللغوية التي تتم عبر " تفجير اللغة" بتوظيف مستويات تعبيرية تتداخل كالذاكرة والمونولوج والهذيان والأسطورة والحلم ، يقول السارد عن مهيار الباهلي :" وهو لا يستطيع أن يرتاح و يتوقف عن الحلم – الموت الذي اتشحه مدركا السر العميق")ص21( ، ويشكل الحلم جزء من الواقع ، لأنه يعكس هذا الواقع الشديد العقيد، فضلا عن كونه يسمح للشخوص بالتعبير عن مواقعهم ومواقفهم بلغتهم. ومن العناصر ذات الكثافة الإيحائية في الوليمة نجد الهذيان الذي يجعل الرؤية غير منسجمة فيما هو ظرفي ، بل يجعلها منفتحة على إمكانات متعددة في التلقي ، يقول السارد :ط شربت فلة بوعناب حتى انخمرت . من رأسها خرجت أصداء قديمة وباهتة أصداء عن الحرب والأحلام الجديدة ،وأصداء عن الوحل الذي تغوص فيه ، الوحل الطائف في الشوارع والمؤسسات والنفوس الخامجة ")ص48( إن هذا التكثيف الهذياني يعيق الانفصال بين الزمن الواقعي والزمن المحكوم بفعل الذاكرة ، الذي يكسب الشخصية كثافة داخلية ، حيث يغدو الصراع صراعا داخليا بين ذاتية الشخصية وبين الواقع الخارجي كغطاء للمظاهر الخادعة. وتوظف الرواية أيضا لغة الأسطورة التي تفتح الباب على مصراعيه للإيحاءات الرمزية ، حيث نسجل ذلك بالخصوص في الفصل المعنون ب:"ظهور اللويثان" ، يقول الساد :" لقد روى الرواة بألفاظ مختلفة ومعان متفقة عن هذا الغمر لأن الله يوم شاء خلق السماوات والأرض خلق جوهرة خضراء حجمها أضعاف طباق السماوات ثم نظر إليها نظرة هيبة فصارت ماء ثم نظر برهة إلى الماء فغلا وارتفع منه زبد ودخان وبخار ومن ذلك الدخان خلق السماء ومن الزبد ولدت الأرض...والحوت على البحر والبحر على متن الريح والريح على القدرة.." وهذا التعبير الأسطوري يمتزج بالغرائبي ، لأن الأصل في الأدب هو الجانب التخييلي والعجائبي ، وليس الإيهام بالواقع أو محاكمته. وتلجأ الرواية الى الاحتماء بالإيحاء الشعري، في زمن تتشيأ فيه القيم ويسيطر عليه الاستلاب، مادامت وظيفة النثر دلالية ، ووظيفة الشعر إيحائية ، لذلك كان الحظور الشعري المتوهج ليس فقط في تضمين الشعر كقصيد كما في الصفحة160 من الرواية ، ولكن أيضا في تلك الطاقة الشعرية للغة ، التي تفتح رصيدا لانهائيا لاحتمالات التأويل والتحليل ، مما يحيل دينامية الإبداع إلى التلقي والقراءة ")20( ، يقول السارد :" كانت الشمس وردة مشتعلة في سمتها السماوي . والنوارس تعبر الفضاء في موازاتها")ص12(.إن هذه الصورة المقدمة بهذا التعبير الشعري القائم على عنصر المشابهة بين الشمس والوردة لتصبح المعادلة الشمس مشتعلة= الوردة مشتعلة ، فيما يخص طرف المعادلة الأولى يدخل ضمن دائرة المقبولية ، لكن الطرف الثاني يصعب أن نقبل استعمال الوردة المشتعلة إلا ككتابة تخيلية تفترض فاعلية لقراءة تتجاوز الفعل القرائي الاستهلاكي المرتبط بالدلالة المعجمية الحرفية فيها إلى الكشف عن إمكانات لاعادة صوغ الأشياء والعوالم والعلاقات)21(.إن الجمل في الوليمة تمتاز بدرامية مكثفة ، حيث انها تحمل أحداثا مكثفة سواء كانت داخلية أو خارجية حتى تتماشى مع حوار النفس عبر استرجاع ذكرى قديمة متجددة أو مع حوار الآخر ، ولنأخذ مثالا لذلك قول السارد :ط وداهم مهدي جواد إحساس جارف بالألم وتساءل في غمرة المد والجزر كيف قسمهم الغزاة وكيف عزلهم عن سياق نموهم ")ص26( ، ويقول السارد عن آسيا الأخضر :" وكانت تتحدث عن الاستعمار الأقسى والأضرى من السياسي والاقتصادي ..التزوير والاستلاب والقطيعة مع الأنا الجماعي")ص37( .إن هذه الجمل وشبيهاتها تتسم بممارسة الاقتصاد اللغوي ، وهذا يعني التضحية بأدبيتها ، بل إنها "ممارسة للتخييل وللاقتصاد اللغوي ممارسة لا تزيد أو تنقص في معيارية الأدلجة التي تمارسها الكتابة الروائية ")21(.
على سبيل الختم :
إن كل المحتويات التعبيرية الموظفة في رواية "وليمة لأعشاب البحر " تعد أرصدة حية عن مستويات الواقع ، ولكنها ،أيضا، تعد وسائل لا تنقص الواقع ولا تنصرف عنه ، بل تقترب منه بطريق ملتو- ولماذا هذا الالتواء – لأنه الطرق الذي يسمح بالكشف عن أركيولوجية الواقع بكل طبقاته الظاهرة والمستترة على حد تعبير فريال غزول جبور، وهي كذلك تدمر أحادية المعنى ، وتستدعي فضاءات إيحائية وتأويلية تمنع القارئ من الوقوع في التعليب والتسطيح ، وتمنحه كثافة رؤيوية وفق تعدد المنظورات التي تغني الواقع في اختلافه وتعقيده ، لأن الناس فيه " مختلفون ، وهذا يعني بالضرورة أن تعددية الناس هي حقيقة الناس بالذات بتعبير تودوروف./.
الهوامش والإحالات :
)1( د محمد برادة:" الرواية أفقا للشكل والخطاب المتعددين ":مجلة فصول، مج11،ع4، شتاء1993، ص :12
)2( حيدر حيدر :"وليمة لأعشاب البحر، نشيد الموت" ، ط4 ،1992 ، دار أمواج للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت ، لبنان.وكل الإحالات بين قوسين في هذه الدراسة مأخوذة من هذه الرواية.
)3( نبيل سليمان :" الواقع، التخيل ، الأدلجة في الرواية العربية الحديثة"، ضمن كتاب :" الرواية العربية بين الواقع والأيديولوجيا" ،دفاتر الحوار ،ط1 ،1986 ،دار الحوار للنشر والتوزيع ، اللاذقية ، سوريا ، ص:54.
)4( د محمد برادة :" وليمة لأعشاب البحر : اللويثان يفترس الحب والثورة"، مرجع مذكور ، ص :1.
)4( د محمد برادة " وليمة لأعشاب البحر: اللويثان يفترس الحب والثورة "، مقال نشر في "اليوم لسابع "،عدد11/6/1984، حصلت على نسخة من المقال الأصل عبر مراسلة خاصة مع الكاتب بتاريخ22/12/1993 ، ص :3.
)5( محمد عفط :" فضاء الشعر في زمن الرواية ":جريدة أنوال المغربية ،ع1180 ، بتاريخ 26/27-9-1993 ، ص :8.
)6( علي جعفر العلاق :ط الروائي ناقدا ، دراسة في نقد غالب هلسا " ، فصول : مج12 ، ع1 ، مرجع مذكور ، ص :268.
)7( محمود أمين العالم :ط ملاحظات نظرية حول الخطاب الروائي – الواقع الأيديولوجيا " ضمن كتاب :" الرواية العربية بين الواقع والأيديولوجيا " ، مرجع مذكور ، ص :19.
)8( إبراهيم الخطيب :"رواية اليوميات ، النوع الأدبي في محك التاريخ"، الملحق الثقافي للاتحاد الاشتراكي ،ع154 ، الا16نونبر1986 ، ص :6.
)9( إلياس خوري )في حوار معه( الملحق الثقافي للاتحاد الاشتراكي ،ع263، ص :2.
)10( رفعت سلام :" من أين يتفجر الشعر الروائي ؟ اقتراح بإجابة وسؤال آخر"/ آفاق/ اتحاد كتاب المغرب ،ع2 ، يونيو 1990 ،ص"116.
)11( المرجع نفسه ، ص :122.
)12( نفسه ، ص :44.
)13( د محمد برادة :" الرواية أفقا للشكل والخطاب المتعددين "، مرجع مذكور ، ص :22.
)14( د إبراهيم الفقيه :" شهادة الشخصية العربية في القصة والرواية " ، الوحدة ،س 5 ، ع 58/95 أغسطس1989 ، ص 6.
)15( يمنى العيد :ط الراوي : الموقع والشكل " ، ط1 ، 1986 ، مؤسسة الأبحاث العربية ش م م ، بيروت ، ص:82 –83.
)16( نبيل سليمان :" الواقع – التخيل – الأدلجة في الرواية العربية الحديثة "، مرجع مذكور ، ص :55.
)17( يمنى العيد :ط في معرفة النص " ، مرجع مذكور ، ص : 75.
)18( د محمد برادة :" سؤال الديمقراطية وسؤال الإبداع"، إبداع": مجلة الأدب والفن ، س6 ، ع6 ، يونيه1988 ، ص :14.
)19 (د محمد جاسم الموسوي :ط شارات شهرزاد : فن السرد العربي الحديث " ط1 ، دار الآداب ، بيروت ، ص :31.
)20( عبد الله السمطي :" تجليات الشعرية في إشراقات رفعت سلام ": فصول ، مج12 ، ع1 ، مرجع مذكور ، ص:295.
)21( محمد برادة :"اللجوء إلى حرية الكتابة" : آفاق/ اتحاد كتاب المغرب ،ع2-3 ،1993،ص : 400.
)22( نبيل سليمان :" الواقع ، التخيل ،الأدلجة في الرواية العربية الحديثة"، مرجع مذكور ،ص: 67
|