New Page 1
news

لهاث الوقت

New Page 1


محمـــد العنيــزي


عيــن التــــأويــل 

{ 1 }


فـي البــدء كنــت أبحــث عـن تـأويـل نـاعـم الملمــس لـوسـواس صغيــر يزحـف صــوب أروقتــي .. يعشــش فيهــا .. يضــع بيضَــه .. يفقــس البيــضُ .. فتخــرج منــه وســاوسَ صغيــرة .. تنتشــر كـالجـرذان التـي تقضــم الاخضــرار .
وذات إحســاس صبـاحـي غـارق فـي البـلاهـة .. كنــت أنـا قطعــةَ حلــوى مـزدانـةً بالمكســرات .. وكـان أصــدقـائـي ومـن حــولـي يلتهمـوننـي بشـراهـة عجيبـة .. وفـي غمــرة شعــورهــم بطعــم حلــو المــذاق .. كنــت أصــرخ :
- يـا إلـه السمــاء المــرفـوعـة بغيــر عمــد .. إمنحنــي قلبــاً بمســاحـة هــذا العــالـم الــذي فقــد ألــوانـه .. يتســع للطيبيــن والمــداهنيــن والنـرجسييـن وأنصــاف الأتقيــاء .

{ 2 }

فـي سطــوة التـأويـل تعبــرنـي الأوقـاتُ المهــدورة فـي الأحـاديـث المقهـويـة .. والخيــاراتُ التـي لــم تكــن صـائبــة .. الأوقـاتُ الممنـوحـةُ لتملــق الأســافـل .. والطقــوس التـي تجبـرنـي علـى التبجيــل .. هـذيـانُ المشــاعـر الفقيــرة فـي أوقــاتِ الكســل اللـذيـذ .. والأشيــاءُ الصغيــرةُ التـي أزدريهــا فتنمــو وتكبــر .. المشــاهـدُ الضبـابيـة التـي تبـاغـت المخيلـة .. وتجــرهـا إلـى عـوالـم حلميــة .. شــرفـة ُ ُُُ لموسيقــى ناعســة .. كلمـا أفتحهـا تحمــل إلـى الــروح وصفــاتَ الــدواء .. دو .. ري .. مـي .. فـا .. جــرعتـان فـي الليلــة الـواحــدة تكفيــان لــوأد الخيــالات المقيتـة فـي قــوة التـذكــر .. البـروتوكـول اليـومـي لرقصــة البنــدول .. تـــك .. تــك .. تـك .. تـك .. والـوجــوه التـي تصــب الكــوابيــس فـي أحــلامــي .. فـأستيقــظ قبــل رنيــن منبــه الســاعـة .. مسكونـاً بصــداع يــدق طبــولـه فـي رأســي .. ويُخـــرج لســانـه لحبــات الأسبريـن والبـاراسيتامول .

{ 3 }

فـي الشــوارع المعجــونـة بالفـوضـى .. أتـوقــف أمـام النـافـذة التـي يطــل منهـا وجــهُ المــرأة ذات العينيــن الشـاحبتيــن .. تنظــر إلـي بمــودة .. تشيــر بيــدهـا فـأهــرع وأرتقـي السـلالـم المــؤديـة إلـى بيتهــا .
عنــد المــدخــل منحتنــي ابتسـامـة صغيــرة وقـالـت : بيننــا حمـام زاجــل ومـودة قـديمـة .. وفـوق الأريكــة فرشــت أحـاديثَهـا .. عــن تـوقـهـا إلـى الرغبــات المجنـونـة .. وعـن أصـدقـائهـا الــذيـن لاحقــوا فتنتهــا .. وتسلقــوا جنــة نهــديهـا .. منتشيــن باشتعـاَل نبيــذِهـا فــي عـروقهــم .. ثــم تسـاقطـوا كمــا بسَّــاقط الرطــب الفـاســد .. دعوتهــا إلـى نزهــة قصيــرة .. وفـي اتســاع الشــوارع رآنـا أصــدقـاؤهـا الـذيـن رموهـا بسهـامهـم .. فشحـذوا سكـاكينهَـــم .. واغتـالـوا ضحكـاتـي المتوسـدة ليـل عينيهــا .. ولمــا انتشــر عطــري المخبــؤ فـي جــدائلهـا .. لعنــوا كفــي المعطــرة لحظــة أن مــرت فـوق شعــرهـا .. وأفســدوا الهـواء .
تركنـاهـم ومضينــا .. أطلقــوا كـلابهــم فـي اتجـاهنـا .. صــرنـا نعــدو فــي الشـــوارع المرصــوفـة .. ونلعــن الكــلاب التـي تعــدو خلفنــا .



{ 4 }

فــي التـأويـل الموسمـي .. يتقـاطـــر أصــدقائـي الموسميــون .. يجيئــون بخطوتهـم الموزونــة .. يحملـون النـرجـسَ النـابـت فــوق أكذوبــة الضميــر .. يحملـون أوسـاخَهـم التـي لا تغسلهـا كـل بحــار العـالـم .. ويبحثــون عـن مطــر يطهـرُهـم .. وأظــل أستبـدلُهـم مثلمــا أستبــدل ثيـابـي المعـروقـة فـي الأيــام المشمسة .. وأنشــرها فـوق حبـل الغسيــــل .

{ 5 }

مـدينـة تستفيــق مـن نومهـا القصيــر .. عـاريــة تـدنـو مـن نـافـذتـي .. كعـاهر عجـوز ..
يشتعــل جسـدهـا بيـن أصـابـع الشهوانييـن .. روائـح حنـوط وهيـاكـل نحيفــة .. مواســم مترعـة بالقـواقـع .. تمــد عـرائـش للســرد .. عنـاقيـدهـا حلـزونات صغيــرة .. وعصـارتهـا مـداد لــدواة تسكــب التـأويـل قطــرة .. قطــرة .. وثمــار نبتــة ملعـونـة .. تنمــو فــي ضــوء واهــن .. وتضــرب جــذورهـا فــي رخـاوة الخــوف .. فـأســدل الستـارة فــوقهــا .. كيــلا تبصــرهـا عيــن التـأويـل .. المجبــولـة علـى تجـريــد المحـارات مـن حلـزونـاتهـا.

 





 

 

أرسل تعليقك

 

الأسم:
البريد الإلكتروني:
التعليق: